بقلـــم : د. داليا مجدي عبد الغني

 

الصداقة تعبير جميل، ومعنى نبيل، وإحساس صادق، فالصداقة لفظ مأخوذ من الصدق، أي أن أهم شرط وعُنصر فيها هوالصدق، فلو تنحّى الصدق عن تلك العلاقة ماتت من جُذورها، فأخلص شخص لك لابد أن يكون صديقك، ولكن هل يُشترط أن يكون الأصدقاء من بيئة واحدة، أو من جنس واحد، أو جنسية واحدة، أو ديانة واحدة؟

أظن أن الصداقة لا تشترط التوحد أو التوافق التام في الأمور الشكلية، فالإنسان يبحث عن الصداقة لكي يتحرر من قُيود الشكليات والمظاهر المُقيدة للحرية، وفي الواقع أثبتت التجارب العملية أن الصداقة ممكنة، بل ومُحبذة في حالة الاختلاف في بعض الشكليات حتى تتآلف وتتقارب الثقافات إلا ثقافة واحدة ظلت محل جدل بين الأشخاص، فكل شخص يضع لها عُنوانًا ويُحاول تحليلها، وهي علاقة الصداقة التي تربط الرجل بالمرأة، فتلك العلاقة دائمًا ما يُحاول الكثيرون تأويلها، وبالفعل كانت محط خلاف شديد بين رجال الدين، وأفكار الشباب، وثقافة المُجتمعات، وغيرها من الحوارات المُجتمعية، وكأنها حسبة برما.

وفي الحقيقة، الأمر لا يستحق كل هذا، فعلاقة الصداقة أنبل وأشرف علاقة يُمكن أن تربط بين شخصين، فهي تُجردها من كافة المشاعر والأحاسيس الذاتية، وتُخْرجها من دائرة الصنف والنوع والدين والجنس والعُمر والعِرْق، فعندما نجد صديقًا مُخلصًا ننجذب إليه، لأنه ينأى بنفسه عن الانغماس في أي أفكار أخرى قد تُشوه إحساس الصداقة البريء.

فالرجل عندما يُصادق امرأة لا يشعر بكونها أنثى، بل إنه يجدها مُجرد إنسان ذي عقل ناضج وفكر مُختلف، فهو يبحث عن تكوين ذات ملامح بريئة، فقد يرى فيها أمه، أو أخته، أو حتى أخيه، لأنها في هذه الحالة تخرج من دائرة الفكر الأنثوي من وجهة نظره، لتدخل في دائرة الإنسان فقط، والعكس صحيح، ولكن البعض يتساءل لماذا لا يبحث كل شخص عن بني جنسه لكي يُصادقه بدلاً من الدخول في دائرة الجدل والتأويل؟ وهذا سؤال محل احترام وتقدير، والإجابة ببساطة هي أن إحساس الصداقة عندما يُولد لا يختار، فهو يُبنى على مواقف وعِشْرة، وأشياء إنسانية كثيرة، فهو ليس وليد اللحظة، علاوة على أن الإنسان دائمًا ما يبحث عن الثقافات المُتباينة في المُجتمع، لكي يتعرف عليها، فالرجل أحيانًا يجد ضالته في فكرة امرأة مُستنيرة، والمرأة غالبًا ما تبحث عن الرجل الذي يحترم عقليتها، ولا ينظر إليها بنظرة ذُكورية، قد تنال من كرامتها.

وطالما أن علاقة الصداقة شريفة وبريئة، وتنأى بنفسها عن كل ما قد يشوبها من شائبة تُلوثها، أو تضعها محل جدل أو تأويل، ولم تنزلق في هاوية التفاهات والرغبات الدونية، والتصرفات الشائنة، فلا مانع من احترامها وتقديسها ووضعها في الإطار المُقدس الذي تستحقه.

وأيًا ما كان الأمر، فالتاريخ أثبت نجاح المرأة في ضبط النفس، والقُدرة على التمييز بين العلاقات، وكذلك وضعها للإطار الذي يتعامل من خلاله الآخرين معها، وتفرقتها بين الصالح والطالح، والأهم من ذلك نجاحها في أن تكون نِعْمَ الصديق، لذا يصفها الكثير من الرجال بأنها امرأة بمائة رجل، لأنها في المواقف تُثبت قُوة وصلابة وشجاعة غير عادية، وتكون سندًا وعونًا بمعنى الكلمة، وتلك الصفات تُؤكد أنها تجمع بين صفات الرجل والمرأة، وعليه، فلابد أن تُصنف أنها إنسان قبل أن نقول امرأة أو فتاة ، والإنسان يصلح أن يكون صديقًا لأي إنسان آخر، ولكن الأزمة تبدأ عندما نضع كلمة "امرأة" في أي موضوع، فهنا تدخل في دائرة الجدل والتحليل والتحريم، وكل طوائف المُجتمع لابد أن تُبْدي رأيها، وكأننا في حلبة مُصارعة، لابد أن يفوز فيها لاعب على الآخر، أو فريق على فريق، والأمر لا يستحق كل هذا.

فتعاملوا مع المعاني والمواقف، وانأوا بأفكاركم عن عُنصرية التصنيف التي عفا عليها الزمن مُنذ زمن وزمن.

المصدر: بقلـــم : د. داليا مجدي عبد الغني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 26 أغسطس 2021 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

13,182,878

رئيس مجلس الإدارة:

أحمد عمر


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز