من طبيعة الحياة الاجتماعية أن تكون لها تقاليد موروثة راسخة و تظل هذه التقاليد قوية، الى أن تجد ظاهرة أجتماعية معينة، فتكون سببا فى تطوير هذه التقاليد،و دفعها خطوة أو خطوات الا الامام.

    هذه هى القاعدة،و هذا هو تفسير أسباب التطورات الاجتماعية التى تحدث من وقت لاخر.و من خلال هذه القاعدة رحت أبحث عن التطورات الاجتماعية الجديدة فى مجتمع أسيوط بعد أن قامت هناك جامعة منذ ست سنوات أن الجامعة تمثل ظاهرة جديدة ثقافية و اجتماعية.. فهل استطاعت أن تغير من التقاليد العتيقة فى أسيوط؟

    هل سارت أفواج الطالبات و الطلبة فى ركب التقدم. أو أنها تراجعت مذعورة خوفا من التقاليد؟ هل تمكنت الفتاة الصعيدية التى دخلت الجامعة من أن تبدأ التطوير فى محيط أسرتها؟

    كل هذه الاسئلة كانت تدور فى رأسى و أنا أقطع الطريق فى رحلة الى أسيوط تستغرق ثلاثة أيام، بحثا عن وجه الحقيقة فى مجتمع الجامعة و المدينة.. على ألسنة الطالبات و الطلبة و الاساتذة و المشرفين.

نظرية الجنس الواحد
    فى الصباح كنت أقف على باب الجامعة فى انتظار الطالبات و الطلبة لفت نظرى أن الطالبات يقبلن فى مجموعات، بعضها يركب عربة (الحنطور) و البعض الاخر يركب الدراجات. أن الدراجة تكاد تكون وسيلة المواصلات الاولى بالنسبة لطالبة الجامعة الاسيوطية أو الوافدة.و قد خصصت الجامعة مكانا لها فى كل مبنى، كما أسهم اتحاد الطلبة فى ثمن دراجات بعض الطالبات.

    و الحقيقة أن هذه الصورة ملأت قلبى تفاؤلا.و اعتقدت أن الفتاة التى استطاعت أن تركب الدراجة داخل مدينة كأسيوط، لابد أنها تمارس الاختلاط و تفهمه جيدا.ولابد أنها أيضا أساطاعت أن تطور تقاليد بلدها.و بخاصة أن ركوب الفتاة للدراجة مازال يعتبر غريبا فى بعض أحياء القاهرة.و دفعنى ذلك الى البحث عن حياة الطالبات و الطلبة من الداخل.

    و لكن سعادتى لم تعش طويلا فلم أكد أسير متجهة الى مكتب الاخصائية، حتى أنتهى الى سمعى تعليق أحد الطلبة. ليس عندنا بنات.. احنا عندنا رجالة!و كان من الطبيعى أن أستفسر منه عن سبب ثورته، فقال: لقد رأيت مجموعة من الزميلات فى طريقهن الى المدرج، فألقيت عليهن تحية الصباح و لكن واحدة منهن لم تبادلنى التحية.. هل هذا معقول؟ أليس من حقى أن أثور؟

    ودارت بينى و بينه مناقشة،و كان من رأيى أنه لا يمكن أن تقوم علاقات اجتماعية سليمة على أساس (أجيبى أو أشتمك)!

    و فى هذه الاثناء التف حولنا عدد كبير من الطلبة انتهزوا هذه الفرصة لكى ينفسوا عما فى قلوبهم تجاه زميلاتهم الطالبات. قالوا أننا نشعر بأننا فى جامعة تطبق نظرية الجنس الواحد.. فى المدرج تكون الطالبات فى ناحية و الطلبة فىناحية أخرى. فى مجالات النشاط المختلفة لا يظهر أى أثر للطالبات. الحديث ممنوع حتى داخل المدرجات..و أشياء كثيرة يمكن أن نسميها أزمة اختلاط و آراء الطلبة لا تسير كلها فى هذا الاتجاه. هناك آراء أخرى تقول أن الطلبة هم المسئولون عن العقد التى أصابت الطالبات.. يقول (أحمد الحمزاوى): لقد أقبلت الطالبات على ممارسة النشاط التمثيلى فى الجامعة منذ خمس سنوات. و حدث أن قدمت طالبة رقصة توقيعية فى أحدى الحفلات. فقامت قيامة الطلبة،و طالبوا بتقديمها الى مجلس تأديب كذلك اشتركت فتاة أخرى فى مسرحية، فأطلق عليها الطلبة اسم (المشخصاتية) و غير ذلك من التعليقات اللازعة.و كان من الطبيعى أن تمتنع البنت عن ممارسة أى نشاط اننى أعترف بأنها محرومة من هذا الحق.

    و يقول (محمود الرفاعى) بكلية التجارة: اننى اعذر الفتيات فنحن خليط مختلف فى الاخلاق و الذوق و السلوك.و هناك طلبة من أقاصى الصعيد لا يرون أخواتهم أطلاقا بعد سن السادسة عشرة فكيف يستطيعون التعامل مع الطالبات؟ز كيف يفهمون حقيقة الاختلاط؟

لماذا أكون الضحية؟
    و كان على بعد ذلك أن أقف على وجهة نظر الطالبات.ز أن أعرف موقفهن من مشاكل الاختلاط.و أن ألمس الى أى مدى استطعن تطوير هذا المجتمع.

    و قد فوجئت بعبارة تتردد على جميع الالسنة. كل واحدة من الطالبات تقول: لماذا أكون أنا الضحية؟ أن التقاليد هنا قاسية.و العقد تتحكم فى نظرة الطالب الى زميلته.

    قلت لهن أن الواجب يقتضى تضامن الطالبات حتى يمكنهن التغلب على تلك العقد المترسبة فى نفوس الطلبة. ماذا لو جلست الطالبات فة مجموعات مع الطلبة على البوفيه؟ أن هذا فى اعتقادى يغير من نظرتهم الى الزميلات.

    و ترددت عبارة (الضحية) مرة أخرى. و أضافت الطالبات: أن البنت اذا تحدثت الى زميلها داخل الجامعة. فأنها تفاجأ بأن هذه (الواقعة) قد نقلت الى أهلها قبل أن تعود الى البيت.و من هنا فان كل طالبة تخشى أن تبدأ عملية التطوير حتى لا تكون هى الضحية.

    و قالت طالبة جائت من القاهرة: لقد شاءت الظروف أن ألتحق بجامعة أسيوط.و فى البداية كنت متفتحة لمزاولة النشاط الثقافى و الاجتماعى و فعلا قمت بممارسة هذا النشاط فى أول عام.و لكنى سمعت شائعات كثيرة تجلت فى نظرات السخرية و الغيظ التى كنت أواجه بها فى كل مكان.و هكذا وجدت نفسى مضطرة لمقاطعة كل نشاط.

    و كل هذه المعانى تعنى أن فتاة الجامعة فى أسيوط تريد أن تضع لبنة فى بناء التطور،و لكن الخوف يردها على أعقابها. فما زال منطق التقاليد الصارم أكثر تحكما من منطق التطور.


الاتحاد.. بالتعيين
    و حقيقة لامجاملة فيها أن البنت أكثر استعدادا من الشاب للتطور و لممارسة الاختلاط الحقيقى،و خلق مجتمع جديد فى مدينة أسيوط،و لكن نظرة الطلبة هى التى تعوق هذا الانطلاق و تؤخره بعض الوقت  من ذلك مثلا أن الطلبة لا يرون من حق الطالبة أن ترشح نفسها لعضوية الاتحادات الطلابية،و قد حدث أن رشحت أحدى الطالبات نفسها، فاتحد الطلبة ضدها و قالوا: أننا لن ننتخب (حرمه)!  أليس هناك رجال؟

    و نسى هؤلاء الطلبة أن عهد الحريم قد انتهى.و أننا أصبحنا فى عهد المساواة حيث أصبحت المرأة وزيرة و وكيلة وزارة.

    و نستطرد الطالبة قائلة أذا كان هذا هو أسلوب المعاملة، فكيف يمكن أن نتصرف أو نشارك فى النشاط؟ لم يكن أمامنا الا أن نذهب الى الدكتور سليمان حزين مدير الجامعة. و نطلب اليه أن تدخل احد الطالبات الاتحاد عن طريق التعيين حتى نضمن أن تكون لنا ممثلة فيه.و فعلا استجاب مدير الجامعة و عين طالبتين تخوضان الان معركة حامية فى حرب التقاليد.

مسئولية الاساتذة
    و الاحاديث و المناقشات تكشف عن حقيقة هامة.و هى أن فتاة الجامعة لديها كامل الاستعداد لكى تتطور و تغير من صورة مجتمعها الى الافضل..و أن الطالب فى أعماقه يؤمن بهذه الحقيقة،و ليس أدل على ذلك من أنه خلال المناقشات التى دارت بينى و بين الطلبة، حاولوا أن يلقوا تبعة هذا التزمت على الاساتذة و هيئة التدريس فى الجامعة قالوا: أن المفروض أن يحمل أستاذ الجامعة عبء رسالة التطور و لكنه ينقاد وراء التقاليد.

    مثلا أحد الاساتذة يصر على أن يجلس الطلبة فى الصفوف الامامية و أن تجلس الطالبات فى الصفوف الخلفية بحجة عدم (سرحان) الطلبة أثناء المحاضرات.. أستاذ آخر يعكس الصورة، فتكون الطالبات فى المقدمة،و الطلبة فى الصفوف الخلفية،و بين الجنسين صف من المقاعد الخالية!

    ويسترسل الطلبة فى اتهام الاساتذة فيقولون: أن الاساتذة لا يحاولون على الاطلاق خلق مجالات مختلطة ترفيهية نستطيع من خلالها أن نهضم فكرة الاختلاط. فلماذا يصب الاتهام علينا وحدنا؟!

    و قد دفعتنى هذه الاتهامات الى لقاء الاساتذة لاعرف حقيقة موقفهم قال أحد أساتذة كلية العلوم: أننى فعلا أمنع الاختلاط ليس فى المدرجات وحدها،و أنما أيضا فى محيط الجامعة.و السبب أن طلبة السنة الاولى و الثانية يأتون الى الجامعة و هم غير مستعدين تربويا لرؤية فتيات الى جوارهم فى الجامعة و من هنا ينشأ الصدام و تحدث المهازل.و لقد اتخذت هذا القرار بعد أن كثرت الشكوى من الطالبات فرأيت أن أحول بينها و بين الطالب حتى يتعود رؤية الطالبة و يدرك مفهوم الاختلاط السليم؟

    و أرى أن هذا الوضع منطقى و ضرورى فى جامعة أسيوط. و لو أنى كنت فى جامعة القاهرة مثلا ما فكرت فى اتباع مثل هذا الاسلوب. فالمجتمع هناك لم يعد يعانى من عقدة الاختلاط.و الطالب يرى المرأة فى كل مكان.و لذلك فهو يعرف كيف يعامل الطالبة على أساس من الزمالة و الصداقة الشريفة

    أما الدكتور (محمد عبد الرءوف) مدرس الولادة. فهو يقول: لقد آثرت أن تكون هناك حرية فى الاختلاط بين الطلبة و الطالبات مع اتباع أسلوب التوعية. أننى احدثهم دائما عن مفهوم الصلة التى يجب أن تكون بين الطالب و الطالبة.

    و الحقيقة أننا لو تركنا الحال على ماهو عليه. فسوف تظل الصورة على حالها دون تغير أو تطور و ليس أدل على ذلك من أن جامعة أسيوط قد مضى على انشائها ست سنوات.و لكنها لم تتطور بالدرجة التى تتلاءم مع هذه المدة.و ذلك كله نتيجة الخوف. خوف المسئولين و خوف الطلبة و الخوف من مواجهة التطور.

    و ينتهى قائلا: ان ممارسة الاختلاط أن تبدأ فى الجامعة و ان كان لابد أن تنشأ عنها بعض الاخطاء، فان ذلك ضرورى من أجل تحقيق التطور و تجنب مثل هذه الاخطاء مستقبلا.

التقاليد أقوى
    و القيود التى تشعر بها المرأة فى مجتمع أسيوط ليست قاصرة على طالبات الجامعة، أن النساء العاملات أيضا يشعرن بأنهن محرومات من حياة أجتماعية طبيعية.

    و تعترف الدكتورة (سلوى رزق) المعيدة بكلية الصيدلة – و هى اصلا من الاسكندرية – بأنها قد شدت قسرا و الزاما الى هذه التقاليد.و ينفعل زميلها الدكتور (فاروق بلبع) و هو يروى قصة زميلته.و يقول أنها كانت معه فى جامعة الاسكندرية،و أنهما كانا يمارسان الاختلاط بصورة طبيعية. ثم جاء الى جامعة أسيوط هو و زميلته و زميلة أخرى،و حدث أن قابلهما ذات يوم فى شارع الجامعة فاتجه لتحيتهما،و لكنه فوجئ بهما تنحرفان عن الطريق،و تشيحان بوجهيهما بعيدا عنه،و فى حجرة المعيدين، اعتذرت له الزميلتان عما بدر منهما.و قالتا انهما لا تستطيعان غير ذلك!

    و قالت الدكتورة سلوى: نحن معذورات فى هذا السلوك. لقد حدث مرة أن التقيت بصديق فبادلته التحية و تحدثت معه بضع دقائق، فلم يلبث أن انتشرت فى المدينة شائعات تقول أنى أعرف فلانا و علانا.. فهل هذا معقول؟

    و تقول الاخصائية الاجتماعية (فتحية عبد ربه): أن فتاة بحرى تعانى أيضا من نفس المشكلة. فهى تشعر بأنها مفيدة.و لذلك تبذل كل ما فى وسعها لكى تحصل على نجاح كبير يؤهلها للانتقال الى أحدى جامعات الوجه البحرى،و من هنا لم يحدث أبدأ أن رسبت طالبة من وجه بحرى فى العام فى العام الاول.

    و الصورة متكررة.. و هى باختصار تتلخص فى أن المثقفات يهربن من تحمل تبعه تطوير المجتمع.. صحيح أنه حدثت تطورات و لكنها بسيطة و بطيئة لا يمكن أن تتناسب مع الفترة التى امتددت منذ قيام جامعة أسيوط.

    أن قلوب النساء مليئة بالخوف و الدليل على ذلك أن هناك عدة نواد فى المدينة مثل نادى البلدية و نادى أساتذة الجامعة،و هى تكون خالية تماما عن الجنس اللطيف بعد الساعة السابعة مساء خوفا من القيل و القال.

    و اذا كانت المرأة الاسيوطية قد أسهمت فى ميدان الخدمة الاجتماعية فهذا يعنى قيام بشائر للتقدم و التطور،و هذه البشائر يمكن أن تكون صورة متكاملة اذا تسلحت المرأة العاملة بالشجاعة،و اذا طردت من ذهنها فكرة أنها تقضى بضع سنوات الى مكان آخر أكثر حركة و حرية. ان المسئولية تحتاج الى مواجهة و الى أيمان و الى تضحية و هذا ما يجب أن تدركه جيدا طالبة الجامعة و المرأة العاملة فى أسيوط.. أو فى غيرها.

المصدر: مجلة حواء

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,648,470

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز