ابتسام أشرف

لم يعد العمل التطوعي نشاطا هامشيا أو جهدا عابرا يقدم في أوقات الفراغ، بل أصبح تجربة إنسانية عميقة تعيد تشكيل وعي الأفراد، وتمنحهم خبرات حياتية لا توفرها الدراسة أو الوظيفة وحدهما، فمن المراهقة إلى سن النضج، تتعدد قصص المتطوعين وتختلف مساراتهم، لكن يجمعهم خيط واحد هو الإيمان بقيمة العطاء وأثره في بناء الذات والمجتمع.

 

وفي هذا الإطار، ترصد حواء» تجارب شبابية حقيقية لمتطوعين من أعمار وخلفيات مختلفة.

البداية مع مريم، طالبة في المرحلة الثانوية وتقول: دخولي مجال العمل التطوعي كان تجربة جديدة ومربكة في بدايتها، لكنها سرعان ما تحولت إلى مساحة لاكتشاف الذات، فقد شاركت في أنشطة دعم تعليمي للأطفال وتوزيع مساعدات غذائية، وهو ما جعلني أقترب لأول مرة من مشكلات لم أكن أراها من قبل.

 

وتوضح مريم أن التطوع غير نظرتها للحياة، وجعلها أكثر وعيا بقيمة الوقت والمسئولية، كما منحها ثقة أكبر في نفسها وقدرتها على التأثير.

 

أما يوسف طالب في المرحلة الثانوية، فقد جاءت تجربته من خلال التطوع في تنظيم فعاليات ومؤتمرات ويقول: إن هذه المشاركة عرفته على معنى العمل المنظم والانضباط، وأهمية الالتزام والدقة في إنجاح أي حدث يخدم المجتمع.

 

وتحكي سلمى طالبة بكلية الإعلام، أن مشاركتها في الأنشطة التطوعية داخل الجامعة وتنظيم المؤتمرات الطلابية شكلت جانبا مهما من تجربتها الجامعية، إذ منحتها فرصة لتطبيق ما تتعلمه نظريا على أرض الواقع.

 

وترى سلمى أن العمل التطوعي داخل الجامعة كان بمثابة تدريب عملي مبكر، ساعدها على اكتشاف قدراتها الحقيقية وبناء شبكة علاقات واسعة، إلى جانب تعزيز ثقتها بنفسها وشعورها بأنها عنصر فاعل داخل مجتمعها الأكاديمي.

 

ويقول كريم مهندس: انخراطي في القوافل التنموية التي تنظمها مؤسسات أهلية فتح أمامي أفقا إنسانيا مختلفا، حيث لمست عن قرب احتياجات الناس وتحدياتهم اليومية، بعيدا عن إطار العمل التقليدي ويضيف كريم التطوع غير أولوياتي، وجعلني أكثر تقديرا للنعم التي أمتلكها، كما أكسبني خبرات حياتية ومهارات في التعامل مع الضغوط واتخاذ القرار، مما انعكس على أدائي المهني وشخصيتي بشكل عام.

 

وتؤكد رانيا، موظفة بإحدى الهيئات الحكومية، أن مشاركتها في تنظيم مؤتمرات ومبادرات مجتمعية كانت تجربة ثرية على المستويين المهني والإنساني، إذ أتاحت لها الإسهام المباشر في أنشطة تخدم المجتمع.

 

أما حسام صاحب مشروع صغير، فيرى أن التطوع في المبادرات المجتمعية والتنموية أعاد صياغة نظرته للحياة والعمل، خاصة مع مشاركته في حملات دعم مجتمعي

 

وخدمة بيئية.

 

ويشير حسام إلى أن العمل التطوعي ساعده على اكتساب خبرات إدارية وإنسانية لم توفرها له الحياة العملية وحدها. كما عزز لديه الإحساس بدوره الإيجابي داخل المجتمع.

 

استثمار إنساني

 

تؤكد د. منى الحديدي، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة حلوان ومقرر لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، أن العمل التطوعي يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، لما يحمله من قيم إنسانية سامية تعكس روح التعاون والانتماء والمسئولية المشتركة.

 

وتقول الحديدي: إن تجربتها الشخصية في المشاركة بالأنشطة التطوعية كشفت لها أن التطوع يفتح آفاقا جديدة أمام الفرد، ويمنحه خبرات لا يمكن اكتسابها من خلال الدراسة النظرية وحدها، فالمتطوع - بحسب تعبيرها -لا يقدم وقتا وجهدا فحسب، بل يصبح جزءا من منظومة نجاح جماعي ينعكس أثرها الإيجابي على المجتمع بأكمله.

 

وتوضح أن العمل التطوعي يساهم في بناء شبكة علاقات إنسانية ومهنية واسعة، ويعزز شعور الفرد بالانتماء والقدرة على التأثير، مؤكدة أن التطوع هو استثمار حقيقي في الإنسان قبل أن يكون خدمة للمجتمع، فهو يطور الشخصية، ويقوي الروابط الاجتماعية، ويؤسس لثقافة قائمة على العطاء والتكافل.

 

وتشير أستاذة علم الاجتماع إلى أن التطوع يعد وسيلة فعالة لتنمية المهارات الشخصية والمهنية، خاصة من خلال التعامل المباشر مع فئات مختلفة من المجتمع، والعمل الميداني في مجالات متنوعة، هذا الاحتكاك العملي يكسب المتطوع خبرات حقيقية تصقل وعيه وتوسع مداركه وتضيف: يعزز العمل التطوعي مهارات القيادة والعمل الجماعي، وينمي القدرة على التنظيم والتخطيط وإدارة الوقت، فضلا عن دوره في بناء الثقة بالنفس ومنح المتطوع الآخرين. شعورا بالإنجاز والقدرة على إحداث فرق ملموس وتختتم الحديدي حديثها بالتأكيد على أن نشر ثقافة التطوع يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتقوية الروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع، إلى جانب ترسيخ قيم إيجابية أصيلة مثل التعاون والاحترام والمسئولية المشتركة، وهي القيم التي تحتاجها المجتمعات لمواجهة تحديات الحاضر وبناء مستقبل أكثر

 

توازنا وتضامنا.

 

ثقافة إنسانية

 

ترى د. هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع، أن التطوع لا يعد مجرد نشاط إنساني محدود الأثر، بل هو منظومة متكاملة من القيم والأخلاقيات والسلوكيات التي تسهم في تشكيل وعي الأفراد وبناء المجتمعات، وتوضح أن التطوع في جوهره ثقافة إنسانية تعزز روح المشاركة، وترسخ معاني التعاون والتكافل وتدفع الأفراد إلى الشعور بالمسئولية تجاه محيطهم الاجتماعي.

 

وتؤكد منصور أن ثقافة التطوع تلعب دورا محوريا في نشر السلام بين الناس، لما تحمله من معان إنسانية نبيلة، حيث يتعلم الفرد من خلالها العطاء دون انتظار مقابل، ويكتسب خبرات حياتية ومجتمعية متنوعة، فالتطوع لا يقتصر على الدعم المادي فقط، بل يشمل أيضا الوقت والمجهود والفكر، وكلها أشكال تسهم في صقل شخصية

المتطوع، وتمنحه مهارات جديدة تفيده على المستويين الشخصي والمهني.

 

وتختتم د. هالة منصور حديثها مؤكدة أن العمل التطوعي يترك أثرا بالغ الأهمية على الصحة النفسية والاجتماعية للفرد، إذ يسهم في تحسين شخصيته، ويمنحه شعورا بقيمته ودوره داخل المجتمع.

 

ويقول د. أحمد يحيي أستاذ علم التربية: من سبل تعزيز ثقافة العمل التطوعي لدى الشباب الاهتمام بالحملات التوعوية لهم حول أهمية التطوع والمشاركة المجتمعية عبر وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والشبابية، وكذلك تنظيم الندوات وورش العمل لتعريفهم بأهمية وفوائد العمل التطوعي وإشراكهم في تخطيط وتنفيذ البرامج التطوعية في مجتمعاتهم، ورغم أن هذا يتم حاليا إلا أننا نحتاج إلى التوسع فيه بصورة أكبر.

 

كما يدعوا إلى دمج العمل التطوعي ضمن المناهج الدراسية والأنشطة الصيفية، وتنظيم دورات تدريبية التزويد الشباب بالمهارات اللازمة للعمل التطوعي، وتوفير التوجيه والإرشاد المستمر لهم لتنمية قدراتهم.

المصدر: ابتسام أشرف
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 34 مشاهدة
نشرت فى 19 يناير 2026 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,182,651

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز