حكيت لك الأسبوع الماضى طرفا من حكاية قارئتى الابنة بشرى -28 سنة- قالت: إنها من أسرة متوسطة الحال, وإن والدها موظف حكومة وأمها ربة بيت, وإن لها أخا مهندسا يكبرها وأخت طبيبة تصغرها, وإنها الابنة الوسطى وإنها لم تعرف الحب ولا الشغف ولا الصداقة مع أى مخلوق قبل أن تقابل زميلها فى كلية التجارة الإنجليزية رامى الذى يكبرها بعدة شهور والذى تصادف أنه يسكن فى شارع مجاور للشارع الذى تسكن فيه بحى مصر الجديدة, وظلت أربع سنوات تذهب معه إلى الجامعة وتعود معه أيضا إلا إذا كانت هناك ظروف خاصة, وأنه لم يقل لها مطلقا أنه يحبها أو يريد أن يتزوجها ولم يلمس فى جسدها سوى كف يدها عند السلام فقط وعندما يخرجا, والتحق هو بالعمل فى شركة اتصالات سألها إذا كانت تريد أن تعمل بالشركة وفعلا حصلت  بواسطته على الوظيفة, وتقدم لها الكثير من العرسان وسألها والدها عمن تفضله منهم ولم يكن بالطبع هو من بين من تقدموا لها, وطلبت مهلة من والدها لكى ترد عليه, وقررت أن تنقل إليه أخبار العرسان الذين تقدموا لها فى صورة دردشة عادية خلال عودتها من العمل فى القرية الذكية بالطريق الصحراوى إلى مصر الجديدة حيث يسكنان, وكانت مفاجأة أليمة لبشرى عندما التفت إليها رامى وقال لها بهدوئه المعتاد وابتسامته الدائمة وبروح لطيفة قال:

-  يا بشرى أنا مش بتاع جواز!

**************

واستطردت بشرى.. وعندما قال هذه العبارة فى غير ترفع ولا "عنطزة" وكأنه يشكو لى حاله قلت له .

-  يا رامى أنت أحسن رجل فى العالم فى نظرى ولم تقل لى مرة واحدة فى حياتك إنك تريد أن تتزوجني ولم تخدعنى بل خدعتنى مشاعرى وليس لك ذنب فى ذلك وستظل طول العمر أعز إنسان عندى مثل أبى وأمى وإخوتى وأفضالك علي كثيرة يكفينى أدبك واحترامك وصيانتك لشرفى وعرضى خمس سنوات, والله يجزيك خيرا ويقدم لك كل الخير والسعادة!

واستطردت بشرى.. قال رامى وعيناه ترقران بالدموع:

-  الله أعلم ما فى القلوب يا بشرى ولن أزيد حرفا عما تعودت عليه معك خمس سنوات والله يعلم معزتك عندى.. لكنها الظروف لا أستطيع أن أقف حجر عثرة فى حياتك وأنت عزيزة عندى مثل إخوتى البنات تماما, ولا أستطيع أن أعدك بأى شيء.. وأنت حرة فى حياتك إذا كنت لا تريدين أن ترينى بعد اليوم فالأمر يعود إليك ولكنى أمام  الله لأستطيع أن أعدك بأى شيء!

وأكملت بشرى.. تجرأت عليه لأول مرة فى حياتى وقلت له: أليست عشرة خمس سنوات كنت لى فيها نعم الأخ والصديق تعطينى الحق فى سؤالك عن تلك الظروف؟

قال رامى: أرجوك لا تحرجينى أكثر من ذلك فهى ظروف عائلية أكثر منها مادية وهى أمور معقدة لا أستطيع أن أشرحها لك فهى جارحة وأرجوك أن تفكرى فى مصلحتك قبل أى شيء!

**************

واستطردت بشرى.. انهرت باكية, وأزاح رامى وجهه جانبا إلى جوار زجاج السيارة لكى لا أرى دموعه, وأخيرا قلت له بصعوبة شديدة: المستقبل بيد الله.. وقد أمهلت والدى حتى استقر فى عملى وأثبت أقدامى فيه ولا أتصور أن يطلع علي نهار لا أراك فيه ولا أعرف أخبارك, لقد أصبحت جزءاً لا تتجزء من حياتى وطبعا أنت حر فى حياتك لكن أنت موجود معي ما بقيت على قيد الحياة!

ووصلنا إلى بيتينا فى مصر الجديد, ونزلت من السيارة قبله وأنا أكفكف دموعى التى لم أستطع التحكم فيها, وصعدت إلى بيتنا ولاحظت أمى تورم عيناى من البكاء ولم أرد على قولى لها: أنا تعبانة الآن اتركينى وحدى وسوف أتحسن!

ولم أذهب إلى الشركة عدة أيام, واتصل بى رامى يسألنى عن صحتى فقلت له: الحمد لله شوية برد وراحوا لحالهم وسوف أعود غدا لعملى, وعادت إلى الروح بمكالمته لى وعدت إلى عملى وتناسيت المحادثة التى تمت بينى وبينه فى سيارة الشركة وقالت صديقتى الصدوقة:

-  أنت مجنونة.. متعلقة بأحبال دائبة.. اختارى عريسا محترما من الذين تقدموا لك وبلاش هبل!

ماذا بعد أن قال لك أنا مش بتاع جواز! ماذا أفعل؟

**************

الوقت والزمن كفيلان بحل كل المشاكل, حاولى أن تختارى عريسا مناسبا ولا تضيعى الفرص التى أمامك لأن العمر يجرى, وقد قلت لى علمت أن رامى ينفق على أسرته وأن والده مريض ووالدته متوفاه وهو الذى يرعى الأسرة من الألف للياء وأن ظروفه المالية والعائلية ليست جيدة وأن له ثلاث شقيقات لم يتزوجن بعد وهو مسئول عنهن وعن والده المريض المقعد, كنت أحب أن أطلب منك أن تقفى إلى جواره لكنه كان من سمو الأخلاق والصدق والأدب أن رفض أن يكون عقبة فى سبيل سعادتك.. المهم الآن تمهلي فى موضوع الزواج واتركى الزمن يشفى المشاعر والله المستعان وهو القادر على أن يقدم لك كل الخير وكل السعادة أنت والإنسان المحترم رامى يجمعكما الله على خير!

المصدر: بقلم : سكينة السادات
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 18 إبريل 2019 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

8,070,271

رئيس مجلس الإدارة:


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز