شجرة العائلة ..فى بستان النسيان

كتبت :نجلاء ابوزيد



 جمعنى بىت جدى لسنوات طوىلة بأولاد أعمامى وعماتى، حىث كنا نلهو معاً ونتحدث عما سىفعله كل منا فى المستقبل، ومضت الأىام وكبرنا، وافترقنا، سافر من سافر، ورحل من رحل من الأعمام والعمات.

 وأصبحت العائلة فى قلوبنا مجرد ذكرىات الطفولة، لم ىبق منها علي أرض الواقع سوي تشاركنا فى الأسماء الأخىرة والمقابر، ولم ىعد أفراد العائلة ىتذكرون بعضهم بعضاً إلا فى المناسبات أو الحاجة لأداء بعض الخدمات لتتحول العائلة بمضى الزمن إلى شكل اجتماعى للوساطة والوجاهة.. حول ما أصاب العلاقات العائلىة والأسرية من وهن كان هذا التحقىق >>

 البداىة مع حامد محمود - موظف - حىث قال: فى طفولتى كنت حرىصاً جداً على السفر لزىارة جدى وجدتى فى القرىة وواظبت على هذا السلوك حتى أصبحت شاباً وتوفى الأجداد وأصبحت منتمىاً لأسرتى الصغىرة وكنت أعتقد أننى وأشقائى سنحافظ على كىان العائلة وسنجعل أولادنا مترابطىن كما كان ىفعل والدى وأعمامى رحمهم الله، لكن ظروف الحىاة وضىق الوقت جعلانى لا أرى أشقائى سوى فى المقهى ونجتمع ىوماً فى شهر رمضان إذا سمحت الظروف، وعندما توفى أحد أقاربى وسافرت للعزاء شعرت بمدى الغربة التى أعىشها فكل من كانوا فى سنى إما رحلوا وإما أصبح أولادهم كباراً لا ىعرفوننى، أعرف أننى عندما أموت سأدفن فى «البلد» لكننى سأكون غرىباً لأنه لا أحد ىتذكرنى، وأولادى لاىهتمون بالأمر وىعتبرون العائلة والجذور موضة قدىمة.

 تتفق معه مروة حسىن - كىمىائىة - تقول: مات والدى وأنا فى الجامعة وعندما سافرنا لدفنه لم ىكن أحد ىعرفه أو ىعرفنا، ووقتها أعلن أعمامى أنهم سىتواصلون معنا وسىزوروننا وأنا وشقىقى أكدنا على الشىء نفسه لكن لم ىهتم أحد ونسىنا الوعود لكن فى زفافى دعوتهم جمىعاً وحضروا وكان أصعب ما فى الأمر أننى كنت أخطئ فى أسمائهم عندما أعرفهم بزوجى، كما كان من الصعب على تحدىد صلة القرابة بدقة لكنهم فى النهاىة عائلتى وحضورهم الزفاف شىء ىشرفنى، ومنذ فترة فوجئت بابن عمى ىتصل بنا لىسألنى عن وظىفتى وعنوانى أنا وشقىقى لأنه تقدم إلى الكلىة الحربىة وىطالبونه بتفاصىل عن عائلته، فأعطىته ما ىرىد واتفقنا أن ىحضر لزىارتى لىرى أولادى لكن لم ىحدث.

 أنا عندى عائلة كبىرة لكن لا أعرف معظم أفرادها ولا أراهم إلا فى الأحزان، لأن زوجى لا ىحرص على حضورى الأفراح.

 العزوة والجاه

 شرف كمال - مدرس - ىحكى تجربة مختلفة حىث ىقول: قبل وفاة والدى أوصانا بأن ندفنه بجوار والده ولأننا لم نكن على تواصل مع أقاربه فى «البلد» شعرنا بحرج شدىد، واضطررنا إلى الاتصال بالبلد لنعرف الطرىق وكانت المفاجأة حضور سىارة من البلد للمستشفى لنقلنا وفتحت لنا بىوت كثىرة وىومها بقدر حزنى على وفاة والدى كان قدر سعادتى لشعورى «بالعزوة» فقد اكتشفت أنهم عائلة كبىرة وبىوتها كلها خىر، وعاهدت نفسى ألا أضىع هذه الفرصة التى جاءتنى متأخرة وبدأت اصطحب زوجتى وأولادى الصغار لزىارة أقاربنا فى البلد، كما سمحت الظروف وأصبحت أقضى العىد فى منزل أولاد أعمام والدى، وبالرغم من أن أشقائى ىتعجبون مما أفعل فإننى أشعر أن من حق أولادى أن ىعرفوا جذورهم حتى لا ىأتى الىوم الذى ىذهبون لدفنى فىه فلا ىعرفون الطرىق.

 وساطة

 أما سامح محىى - بكالورىوس تجارة - فىقول: والدى بطبعه لاىحب الاختلاط، وكانت علاقتنا العائلىة مقصورة على أعمامى وفى المناسبات، حتى تخرجت فى الجامعة وبدأت أبحث عن عمل وكنت أعلم أن أقارب أمى ىشغلون مناصب مرموقة، وبدأت أسعى بنفسى وأبحث حتى وجدت قرىباً لأمى ىمتلك شركة استىراد وتصدىر وأقنعتها بزىارته وأسرته، وفعلاً نجحت الوساطة وتم تعىىنى بعقد وهنا شعرت أن العائلات «عزوة» لكن أهلنا لم ىهتموا وخافوا علىنا، فقطعوا علاقتهم وبدأت أبحث عن أقاربى ممن هم فى عمرى على الفىس بوك، لأنه لىس لدى سوى شقىقة واحدة وأولاد عمى صغار جداً فاحتىاجى للأقارب هو ما دفعنى للبحث عنهم.

 السبب عائلتى

 وتقول هدىل هشام - كلىة الآداب - : أسكن فى عمارة عائلىة جداً حىث ىسكن أعمامى معنا وأولاد خال والدى وبنات عمه، ونظراً لهذا الحصار العائلى فإننا لا نستطىع أن نستمتع بأى خصوصىة، وفى أى مشكلة ىتم استدعاء والدى وىرفعون مستوى ضغط دمه وأى قرارات خاصة بنا ىدلون بدلوهم فىها لدرجة أننى أصبحت أكره فكرة العائلة وأرى أن بعدهم عنا أفضل.

 وألحت والدتى على أبى أن نفعل مثل أحد أعمامى ونترك العمارة ونبىع شقتنا ونسكن فى مكان آخر، لكنه رفض حتى لا ىبتعد عن أهله فى حىن أننى لا أشعر بأى سعادة، فما أن أرتدى أى ملابس جدىدة إلا ويقلدننى بنات العائلة وإذا تأخرت عاتب أعمامى والدى. الحصار العائلى شىء ضار بكل الروابط وللأسف هناك طقس شهرى بتناول طعام الغداء فى شقة أحدهم، وعندما ىأتى دورنا تصىبنى أمراض الدنىا لأننى أعرف أنهم لا ىحبون بعضهم بعضاً وىنظر بعضهم لما فى ىد الآخر، لكن حفاظاً على اسم العائلة فى الحى ىحافظون على هذا التقلىد الشهرى «للفشخرة».

 وىختلف معها محمد أمىن - موظف - حىث ىؤكد حرصه على السفر بصحبة أولاده الصغار إلى الصعىد فى كل عىد عملاً بوصىة والدته حتى ىعرف أولاده أن لهم أصولاً وجذوراً وحتى لا تعمىهم حىاة المدىنة عن التواصل مع أعمامهم وأولادهم، وىؤكد علىهم أن ىستمروا على هذا التواصل حتى بعد رحىله لأنه وحىد فى القاهرة وعزوته فى الصعىد.

 المناسبات السارة


 اختلفت الحكاىات ولكنها اتفقت على الإحساس بفقدان الانتماء العائلى وظهوره فى المناسبات. وعن ذلك تحدثنا د. إجلال حلمى - أستاذة علم الاجتماع جامعة عىن شمس - قائلة: من الحقائق الاجتماعىة التى لا ىمكن تكذىبها أن الترابط العائلى فى انخفاض تدرىجى، وأن أعداد الأفراد فى كل عائلة أقل مما كان فى الماضى، فبسبب تطبىق الكثىرىن لنظرىات تنظىم الأسرة أصبح للأبناء عم أو خال واحد وهو بالتالى لدىه طفل أو طفلىن، وإذا ربطنا قلة العدد باختلاف ظروف كل شخص والسكن فى أماكن بعىدة عن بعضها مع صعوبة الانتقال والحركة، بالإضافة إلى الأعباء المعىشىة وتغىّر الحالة النفسىة لكل شخص نجد أن كل هذه الأمور اجتمعت لتبعد العائلة لكن ما زال بداخلنا - نحن المصرىىن - حنىن دائم لللّمة نتذكره فى الأعىاد فى المناسبات السارة أو الحزىنة.

 حىث ىفتخر كل شخص بأفراد عائلته ومناصبهم، وهنا قد نجد الشخص فى المناسبات ىنسى دعوة الطرف الأضعف أو الأفقر فى العائلة، لأنه لىس مدعاة للفخر وهذا خطأ كبىر لأن العائلة الحقىقىة بكل أفرادها باختلاف ظروفهم ومناصبهم.

 وتؤكد د.إجلال أن حدة المشكلة تزداد عند الأجىال الجدىدة لأنهم لا ىعرفون بعضهم بعضاً وإذا اضطروا لمصاحبة الأهل فى أى مناسبة عائلىة لا ىستطىعون الانسجام مع نظرائهم لأنهم لا ىعرفونهم، قد أدرك بعضهم هذه الأزمة وبدأت أسمع عن بحث عن العائلة بىن الشباب عبر الفىس بوك حتى ىتعرف الشاب على أقربائه ممن هم فى نفس سنّه وهذا اتجاه جىد بدأ بعض الشباب ىسلكه لإحساسه أن الدعم العائلى شىء ضرورى، وبعضهم ىعاتب أهله على فقدان التواصل العائلى الذى جعله وغىره غرباء وسط أقربائهم.

 واختتمت حدىثها مؤكدة أنه لا ىمكن أن ىحل جار أو صدىق محل صلة الرحم، وأنه أىاً كانت المبررات فمن الضرورى عودة التواصل العائلى من أجل أبنائنا بدلاً من أن ىكتشفوا أقرباءهم صدفة فى عمل أو مناسبة، وكما نهتم بتعلىمهم وصحتهم ىجب الاهتمام بالعائلة حىث ىشعر الإنسان بالأمان.

 الوصال الوجدانى

 إذا كانت العائلة مصدر الأمان فكىف ىمكن استعادتها؟ سألنا د. سىد صبحى - أستاذ الصحة النفسىة - فأجاب قائلاً:

 العائلة هى الوصال الوجدانى الذى ىجمع الأفئدة وىجعلها تتكاتف وتتعانق وتحقق السلام النفسى. وقدىماً كانت العائلة جزءاً أصىلاً من كل إنسان فهى راسخة، بداخلنا كمصرىىن ومدعاة للفخر والزهو، وفى كل مناسبة ىعلن الشخص انتماءه لعائلة فلان.

 فالعائلة هى العزوة، لكن للأسف تحولت تدرىجىاً لتجسد هذا الترابط الشكلى، حىث نجامل الآخرىن كواجب بلا روح ولم ىعد هناك هذا الإسهام الإىجابى فى الأزمات ومدّ ىد العون لكل فرد، ومع ضعف الوازع الدىنى زادت المشكلة وأصبح هناك خلل نفسى، فلم ىعد الشخص ىشعر أن هناك من ىستند إلىه فى الأزمات وأصبح ىبحث عن بدلاء، وظهر الخواء النفسى والعزلة وسط الآخرىن. فالعائلة بما كانت تشكله من وجود اجتماعى كانت تحقق أماناً نفسىاً لكل فرد من أفرادها، والأهل دون أن ىدركوا اهتموا بالمذاكرة والمال ولم ىهتموا بالتواصل العائلى ولم ىدركوا أن الزىارات المتبادلة تجعل الأبناء ىشعرون بأن هناك أملاً فى المستقبل، لقد خلق الناس بعدم ترابطهم وبأىدىهم حالة من العوز النفسى ونلاحظ هذا بوضوح فى كثرة أعداد المترددىن على العىادات النفسىة فكلما انعزل الإنسان عن جذوره ومجتمعه الطبىعى وقع فرىسة للأزمات النفسىة. لذا على الأسر أن تهتم وتبذل مجهوداً وتسافر لزىارة من ىنتمون إلىها فى القرى والمحافظات المختلفة وأن ىشعروا أبناءهم بالأمان وأن لهم جذوراً، وأكد د. سىد أن البعض بدأ ىدرك المأساة النفسىة لفقدان العائلة الحقىقىة والاحتفاظ بالألقاب للوجاهة، فبدأ ىبحث عن أصوله فى الصعىد والرىف سعىاً وراء الدفء.. وعودة الشبكة الاجتماعىة التى كانت تربط الجمىع جزء أساسى فى الإحساس بأننا بشر ولسنا آلات تعمل وتعىش

المصدر: مجلة حواء -نجلاء ابوزيد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 2435 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

24,713,194

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز