الشخصية المصرية

 ماذا فعلت بها الثورة ؟!

كتبت :فاتن الهواري


 الشخصية المصرية كانت مثار فضول دائم من قبل العديد من الشخصيات الاستشراقية علي مدار التاريخ، وقد تميزت على مر عصور طويلة بسمات كانت أقرب إلي الثبات، ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة وذلك لتمايزها عن سمات فرعية أو ثانوية قابلة للتحريك مع الظروف الطارئة.

 فالمصري تميز بكونه ذكيا ومتدينا وطيبا وفنانا، ساخرا، عاشقا للاستقرار وكان هذا يشكل الخريطة الأساسية للشخصية المصرية في وعي المصريين ووعي غيرهم، وقد أدي إلي الثبات النسبي لهذه السمات ارتباطها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبياً .

 ولكن المؤكد أن الثورة لعبت دوراً كبيراً في إحداث تغييرات علي الشخصية المصرية لم نر فيها هذه الصفات التي نراها الآن من فوضي وانتهازية، وغيرها من الصفات السلبية التي طرأت عليها، والتي نحاول استعراضها مع نخب المجتمع المصري ليرصدوها لنا ويحددوا ما أصابها >>

 إن حب المصرى لبلده. كان ولايزال جزءا اصيلا وغاليا راسخا في قلوب كل المصريين وهو الأمر الذي لا يستطيع أحد أن يزايد علىه. ولنبدأ الحديث عن الشخصية المصرية مع د. ماجد الديب - أستاذ جراحة الأوعية الدموية ورئيس جامعة عين شمس الأسبق - يتحدث عن الشخصية المصرية قبل وبعد ثورة يناير، والجميل أن الطبيب اقرب الناس إلى تحليل الشخصية المصرية وتصنيفها ربما لأنه الأقرب إلى التعامل مع أنواع كثيرة من البشر.

 العدوانية الظاهرة

 يقول د. ماجد الديب : لقد حدثت تحولات نوعية فى بعض السمات وتحولات نسبية فى سمات أخرى ، فمثلاً استخدم البعض ذكاءه فى الفهلوة وتعددت صور التدين بعضها أصيل وبعضها غير ذلك ، وقلت درجة الطيبة وحل محلها بعض الميول العنيفة أو العدوانية الظاهرة أو الخفية ، وتأثر الجانب الفنى فى الشخصية تحت ضغط التلوث والعشوائيات، وزادت حدة السخرية لتصبح لاذعة قاسية أكثر من ذى قبل وأحيانا متحدية فجة جارحة .

 أما عشق المصرى للاستقرار فقد اهتز كثيراً بعدما أصبحت البيئة المصرية طاردة نحو الخارج بحيث أصبح حلم كثير من الشباب السفر إلى أى مكان لتحقيق أهدافه بعد أن أصبح متعذراً تحقيق الآمال والأحلام على أرض الوطن.

 ونستطيع أن نرصد عدداً من العوامل الرئيسية كما يقول الدكتور ماجد الديب أدت إلى تلك التغييرات فى السمات الأصلية للشخصية المصرية ومنها الرصد العقلانى، والاستعمارى و«القصصى» الذى اختلط فى العديد من جوانبه بحكايات «ألف ليلة» وتنوع التحليلات الغربية للعادات والتقاليد والشخوص المصرية التي اعتبرها البعض ثائرة واعتبرها الآخرون خانقة، تصوروها سهلة الطوية ورآنا البعض شعباً لا يحكم إلا بالحديد والنار..

 السؤال الأهم : هل اخترقت الكتابات الاستشراقية الشخصية المصرية بالفعل واستطاعت أن تحللها بدقة على الأقل فى جزء من جوانبها المتعددة؟..!

 يقول د. محمد عنانى - أستاذ الأدب الإنجليزى: ان الكتاب العمدة فى هذا الشأن هو كتاب «عادات المصريين المحدثين وأخلاقهم» الذى أصدره الكاتب الإنجليزى إدوارد لين عام 1828 والذى جاء إلى مصر عام 1821 للاستشفاء بعد أن أصيب بمرض صدرى ونصحه الأطباء بجو جاف دافىء مثل مصر.. جاء لين لمصر فى عهد محمد على وكان رساماً، وأثناء تواجده بمصر قام بعمل مجموعة من الرسومات وعاد بها إلى إنجلترا عام 1828 وعرضها على إحدى الجمعيات التى تكفلت بإعادة إرساله إلى مصر على نفقتها ، على أن يقوم بإعداد كتاب عن مصر آنذاك ، بعد أن انبهروا برسوماته حيث كانت مصر آنذاك منفصلة عن التاريخ الحديث بما يقرب من 700 سنة، وكانت تحتفظ بطابع القرون الوسطى ، فظهرت الجمال والخيل والبغال ، بالإضافة إلى الآثار .. وظهرت الصحراء والبداوة جنباً إلى جنب مع محاولات التحديث التى قام بها محمد على آنذاك فبدت مصر وكأنها سيدة تنظر من نافذة إلى الماضى خاصة بعد أن جاء نابليون بونابرت إلى مصر غازيا وأصدرت حملته كتاب «وصف مصر» عام 1809.

 فى الكتاب نفسه اهتم «لين» بالشخصية المصرية وتنويعات الوجود التركى والألبانى والمملوكى حيث كانت هناك توليفة كبيرة من جنسيات مختلفة تمسك بزمام الأمور والسلطة، فحاول أن يجتذب المصريين إليه ويبين كم يعانى هؤلاء أصحاب الأرض من الظلم والقهر. ولكن أهم ما ميز الكتاب هو أن «لين» وضع يده على خصيصة جوهرية فى الشخصية المصرية هى (الإيمان بالله والثقة تماما فى الآخرة) أما الصفة الثانية فهى «الصبر» ، وأن المصرى قد اكتسب هذه الصفة نتيجة عمله بالزراعة وانتظاره حتى يجنى المحصول ، فتعلم أن الطبيعة لها قوانينها التى لا مجال للتدخل فيها ، وأوضح لين أن الصفة الثالثة التى ركز عليها هى إيمان المصرى بالخرافات لتراجع التعليم فى هذا الوقت الذى لم يكن منتشراً الانتشار الكافى .

 مصر الحديثة

 الكتاب الحاسم فعلا- من وجهة نظر د. عناني- فى وصف الشخصية المصرية هو كتاب «مصر الحديثة» الذى كتبه اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى مصر من 1883 إلى 1907 والذى توفى عام 1917 ووقعت فى عهده 1906 حادثة دنشواى الشهيرة، فعندما صدر الكتاب فى مارس 1908 أثار ردود فعل كبيرة وهاجمته بشدة كل من جريدتى «اللواء» و«المؤيد» فمثلا كتبت جريدة المؤيد «لم يكن اللورد كرومر من رجال العلم والفلسفة ، ولا من رجال التأليف، إنما كان جندياً يؤمن بمجد الامبراطورية ونظرته الاستعمارية تنبع من وجهة نظر سيطرة بريطانيا وهى قائمة على كراهية الشرق والعرب والمسلمين واحتقارهم والإيمان بأن الرجل الأبيض له حق تمدينهم، وعبّر كتاب «وصف مصر» عن وجهة نظر إيجابية جدا ووصف المصرى بأنه عنيد لا يقبل الظلم .. فقد تأثر علماء الحملة بثورة المصريين ضد القوات الفرنسية.

 المصري الجديد


 ويضيف عناني أن الصورة السيئة عن المصرى التى تركها كتاب كرومر لدى الغرب تغيرت ولعب دوراً كبيراً فى تغييرها مصطفى كامل الذى كان نموذجاً للمصرى الجديد الشاب الذى يتحدث الانجليزية والفرنسية بطلاقة، ويأسر بخطبه الأسماع وبدأ الرأى العام الشعبى فى أوروبا يتعاطف مع المصريين وعندما قامت الحرب العالمية الأولى اهتم العالم كله بمصر باعتبارها حلقة اتصال فى الحرب الدائرة، وبدأ الكتاب الأوروبيون يرصدون التطور الذى حدث فى مصر .. وبعد ذلك صدر لأول مرة دستور 1923 وظهر شىء جديد اسمه الجنسية المصرية .. فقبل ذلك كان المصرى مجرد تابع للدولة العثمانية.

 خصوصية نفسية


 ويواصل د. ماجد الديب حديثه عن الشخصية المصرية وفضول العديد من الشخصيات الاستشراقية وقد تحدث المترجم بشير السباعى عن كتاب للمؤلف الأمريكى تيموثى ميتشل عن أحوال مصر الراهنة وصدرت ترجمته العربية 1991 بعنوان «مصر فى الخطاب الأمريكى» تناول فيه مشكلات المصريين من منظور مختلف للرؤية الأمريكية التى ترى أن صميم مشكلة المصريين هى التباين الواضح بين الانفجار السكانى وبين الجغرافيا حيث يتركز الناس حول وادى النيل ، بينما يرى ميتشل أن هذا الكلام غير صحيح وأن مشكلة المصريين تتلخص فى البعد الخاص بتوزيع الثروة والتفاوت الاجتماعى الحاد بين شرائح المجتمع المصرى .

 والأديب الراحل إبراهيم أصلان قال: إن هناك كما لا يحصى ولا يعد من الكتب التى كتبها المستشرقون عن الشخصية المصرية ، ولكن السمة الرئيسية التى ركز عليها معظم الكتاب هى أن المصرى يعانى من عقدة النفاق ، فالنفاق خصيصة مستقرة فى الشخصية المصرية، وترجع لحقب القهر والطغيان والاحتلال التى عانى منها المصرى لقرون طويلة ، بالإضافة لغياب العدل الاجتماعى .. فالنفاق أصبح يمارس فى المجتمع المصرى بشكل لا إرادى وكأنه أصبح طقساً يوميا وهناك صفة أخرى ركز عليها المستشرقون وهى الانحراف فى العاطفة ، لكن هناك مستشرقين آخرين متيمّين بالشخصية المصرية . ووفقا لأصلان تبقى هناك إشكالية مهمة فيما يتعلق برؤية الآخر لنا وهى أنه إذا لم يكن المصرى محترما داخل بلده ويحظى بحقوقه الآدمية وبقيمة إنسانية عالية فمن المستحيل أن ننتظر أن يحترمه الآخرون .

 ويقول د. ماجد الديب هناك خصوصية لنفسية الإنسان المصرى ببساطة لأن المصرى يتكون من عجين تمازجت فيه مكونات كثيرة متنافرة ومتناغمة، متقاربة ومتباينة ، تاريخ وحضارة سياسية وعلاقات داخلية وعربية، طريقة خاصة فى التعبير، لغة الجسد، التلويح بالأيدى طريقة الكلام ، الصياح الصراخ ، البكاء ، الضحك ، إلقاء النكات ، النواح، البوح ، إمساك الكلام، الوجوم ، الحزن الشفيف وذلك الدفين ، الألم الذى يعتصر القلب والذى يشد الرقبة والرأس ، الإبداع بكل صوره ، العنف بكل أشكاله ، الطيبة والسماحة ، الغلظة والفظاظة التوتر اليومى الذى كاد أو بالفعل أن يصبح عادة فقدان الأمن والأمان ، التشتت والضياع الأصول والثوابت والقيم والمحبة، التواجد والهجرة الجنون والمجون ، الشروخ التى بانت فى ظهر البلد ، والتجاعيد التى ظهرت على وجه الشباب ، الفرحة والبهجة التدنى فى الذوق ومحاولة التمسك بالرقى فى المعاملة والفن. كل هذا وأكثر مما لا يتسع له المجال يشكل القاعدة الرئيسية لخارطة النفس فى مصر ..

 يقول د. ماجد الديب: إن النفس المصرية قد تغيرت ربما ليست الصورة قاتمة وربما إنها أحد إفرازات عصر العولمة فى العالم ككل ، لكن ولأن مصر والمصريين لهم سمات تسهل قراءتها، فمن ثم تكون عملية التعرف على خطوطها المفرجة وعلاماتها الإيجابية والسلبية سهلة فالشخصية المصرية تحديدا .. متغيرة .. وبسرعة عبر العصور والأزمان ، عبر المكان وفى مختلف الأحوال، ومن ثم فإن محاولة رصدها هنا والآن محاولة شاقة ، تكاد تكون مثل محاولة الإمساك بالزئبق .. وبصرف النظر عن الخصائص الشخصية لكل فرد ، فإن أمر تحديد «الشخصية» يحوى فيما يحوى خصائص المزاج والذكاء والطبع ، المصرى انبساطى بطبعه وهو أيضاًَ انطوائى بمعنى أن الظرف يخلق جوه النفسى العام من فرح ومرح وابتهاج «ليت كل الشعوب كذلك - والانجليزى مثلاً خير مثال على ذلك» .

 المصرى عاطفى ، رومانسى فى آماله وأحلامه ، رومانسى جداِ فى حبه لمصر «وكأن مصر هى الكون كله» صبور وكأنه الجمل يحب اجترار أحزانه وأفراحه بحزن وينفجر فجأة يتحمل حتى لو كان رقيقا ، يخاف المستقبل ويخشاه ويعمل له ألف حساب، يتألم بشدة ويخشى الزمن وتقلباته فى داخله إحساس دفين بعدم الأمن والأمان ولا يثق فى الآخرين بسهولة، على الرغم من أنه أحيانا قد يصدق رغبة فى التصديق أو رغبة فى الهروب .

 المصرى طموح ، يسعى ويجتهد ويبتكر وينفعل لكنه أحيانا ما يصاب بالبلادة نتيجة الإحباط المستمر والفشل المتكرر ، رغبة فى تحقيق ذاته عالية، وإذا ما اصطدمت بالظروف والعقبات تألم ونعى نفسه وقعد فى ركن ينزوى ويمضغ أحزانه ..

 المصرى يتفاعل مع البيئة المحيطة ويشارك فيها فيحنى لمن يعلمه فنا وذوقاً ، يحتضن الآخر - غير المصرى خاصة فى مجالات الفنون والآداب ، يقدره ويحترمه - لكنه لا يتمكن من أن يغفر له الخطأ الجسيم تحديداً إذا كان فى حق مصر ومكانتها ..

 ويختتم د. ماجد الديب حديثه عن الشخصية المصرية رغم أن كل الشعوب تعتز بأوطانها، إلا أنه المصرى بشكل عام له خصوصية أنه يحمل الشمس بين ضلوعه والنيل فى عينيه وهو يفخر بذلك دون مبالغة ، يعلن للدنيا فى حب أنه «مصرى - كريم العنصرين» .

 وربما كان هذا خير ما نختتم به هذه الدراسة فهى تعكس جوانب من شخصية المصرى الآن فى الألفية الثالثة (الخوف من الآخر - عدم الاستقرار - الصرامة - كراهية السلطة - كراهية الخيانة» ومنها ننطلق إلى محاولة تطبيق الأسس الخمسة لقياس الشخصية كما هو متعارف عليها عالمياً فهى :

 أولا: الانبساطية : الثرثرة ، الطاقة ، توكيد الذات ..

 ثانيا: التوافق : الحنان ، التعاطف ، الحب.

 ثالثا: الضمير : مراعاته ، التنظيم ، الدقة ، الحق.

 رابعا: العُصاب: الثبات الانفعالى ، التوتر ، المزاجية ، اعتلال المزاج.

 خامسا: الانفتاح على التجارب الجديدة : الذكاء ، الثقافة ، الاهتمامات الاستبصار ، القدرة على الرؤية والإبداع. من خلال كل ذلك نجد أن أموراً قد تراجعت بشكل كبير وأخرى تقدمت دون تشاؤم، لكن يبدو أن المزاجية والضمير هما أساس الشد والجذب فى أبعاد الشخصية المضطربة . وينهى د.ماجد الديب حديثه لنستأنف فى الحلقة القادمة الحديث عن الشخصية المصرية وما حدث لها بعد ثورة 25 يناير فتابعونا

المصدر: مجلة حواء -فاتن الهواري
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1639 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

24,744,869

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز