هناك وداخل 1221 منطقة عشوائية، حيث يعيش ما يقرب من 29 مليون مواطن، بالإضافة إلى 6 ملايين ممن يسكنون القبور، تستطيع أن تلمحها بسهولة ولكنك لن تعرفها ولن تدرك أنها امرأة فقد نسيت كيف يمكن أن تكون!
ففوق كتفيها أحمال قد يعجز الرجال عن حملها، أما وجهها فلا تجمله المساحيق الملونة ولكن تنحته تجاعيد من الصبر والشقاء والتعب، الذي رسمته مسئوليات السنين وهموم الحياة، بل وربما قائمة من الأمراض التي لا تعد ولا تحصى، إنها المرأة في هذا المكان الواقع خارج جدران الحياة والمسمى بالعشوائيات، حيث الحياة في عشش أو حجرات متهالكة ومتلاصقة  ببيئة تخلو من أي من مظاهر الحياة العادية، فلا مياه ولا كهرباء ولا نظافة ولا صرف صحي، والنتيجة زواج مبكر وجرائم خطف واغتصاب وبطالة فعنف وإحباط!
ورغم ما يبذل من جهد  حكومي أو أهلي في هذه المناطق إلا أن الواقع يشير لحقائق أخري.. وتعالوا بنا ندخل معا لهذا العالم..

البداية تعود لحقبة السبعينيات حيث شجعت الحكومة القطاع الخاص على البناء ولكنها لم تتدخل لتقنين أسعار الوحدات التي تم بناؤها فارتفعت، وصاحب هذا زيادة ظاهرة الهجرة من الريف للمدن بحثا عن فرصة أفضل للحياة، فظهرت المناطق العشوائية والتي بناها أصحابها دون ترخيص، فأصبحت بيوتاً لمن لا مأوى له، ولم تنجح أي محاولات من قبل الدولة من خلال بناء المدن الجديدة لاستيعاب سكانها فقد تزايدت أعدادهم  وازدادت الهجرة الداخلية، ولم تحل المشكلة من جذورها فاتسعت رقعتها، لتصبح بؤراً للفقر والجهل والمرض، ومن هنا ازداد اهتمام الحكومة المصرية مؤخرا بضرورة تخصيص وزارة لمعالجة هذا الوضع، كما ظهرت العديد من المبادرات الأهلية التي عنيت بالأمر.
 ورغم هذا فالواقع لم يتغير بصورة كبيرة، فكما تشير الدراسات هناك وفي ظل ظروف صعبة حيث الأماكن التي تفتقر لأبسط ملامح الحياة الأدمية، يتفاقم الوضع بالنسبة للمرأة فـ 55% من نساء العشوائيات يعتبرن العائل الوحيد لأسرهن، إما لوفاة الأب أو زواجه بأخرى أو مرضه، وهذا رغم معاناتهن من الأمية والفقر الأمر الذي يجعلهن يعملن في أعمال هامشية ولا تدر دخلا تستطيع أن تعيش به أسرة كاملة يتراوح عدد أفرادها وفقا للدراسات ما بين 5 أو 6 أفراد، يضاعف من هذه المأساة  ظروفهن الصحية فوفقا لدراسة أخرى نجد أن النساء في هذه المناطق ترتفع نسبة إصابتهن بأمراض مزمنة تتعلق بالعظام وأمراض النساء والتوليد لتتراوح ما بين 48%إلى 67%.

دروس تخاطب
فمن داخل المنطقة العشوائية بحي الجمالية، تقول ستيتة إسماعيل وتبلغ من العمر 49 عاماً، توفى زوجي منذ 11 عاماً في حادث وترك لي 5 بنات في سن الطفولة حرصت على رعايتهن حتى تزوجن جميعا، بل واستطعن الوصول لبعض المراحل التعليمية بنجاح، وطوال هذه السنين كنا نعيش على معاش زوجي ومساعدات أهل الخير لنا، فأنا لا أعمل ولم أتعلم وسمعت كثيراً عن مساعدة البعض لنا بمشروعات أو فرص عمل ولكني لم أجد هذا، أما بيتي فهو بالطبع بيت قديم صدر له قرار إزالة وساعدتني إحدى الحملات الأهلية  التي تعمل في حي الجمالية في إصلاحه، ولكننا لم نستطع مثلا أن نتقدم للحصول على منزل جديد من المنازل التي يعلنون عن إنشائها لمن لا يملكون بيوتاً مثلنا، لأنه كان علي أن أدفع 5 آلاف جنيه وأنا لا أملك شيئاً، وما يزيد من مشكلتي إجرائي عمليتين جراحتين بالقلب وعدم قدرتي على الحركة، أما ابنتي التي مازالت تعيش معي فهي بحاجة لدروس تخاطب حتى تستطيع أن تجد عملاً وتساعدني، ولكني لا أملك ما  أستطيع أن أحقق لها به هذا!
بطالة الثورة!
 ومن ستيته لأمل أحمد موسى، لا يختلف الوضع كثيرا كعائلة لأسرتها وإن كان يزداد سوءاً، فالمشكلة هنا تتعلق ببطالة الشباب في هذه المناطق والتي ينتج عنها وفقا لأحدث الدراسات التي أعدها مركز بحوث المرأة والتنمية عن المناطق العشوائية، مشكلات كالإدمان بنسبة لا تقل عن 40%، والانحرافات السلوكية والإجرامية بنسبة لا تقل عن 67%، ورغم هذا فالكثير من شباب ونساء هذه المناطق لا يحتاجون سوى المساعدة، وكما تقول: لم أتعلم وأنا مطلقة وزوجي متزوج بأخرى ولا ينفق علينا منذ سنوات عديدة، فطوال هذه الفترة كنت أنفق على أسرة كاملة من معاش الضمان الاجتماعي والذي لا يتعدى الـ 400 جنيه، أما أبنائي فلا يستطيعون مساعدتي فابنتي ليست متعلمة وحلمي الوحيد أن ألحقها بأي من فصول محو الأمية حتى تجد أي عمل بسيط وتساعدني، أما ابني ويصل عمره لـ 24 عاماً فقد كانت فرص العمل المتاحة أمامه هي العمل كحرفي في أي من ورش المنطقة، ولكن مع اندلاع الثورة منذ 3 سنوات اختفت هذه الفرص لأن معظم الورش أغلقت أبوابها، ولم تعد في حاجة لعمالة، وأصبح الشباب يجلسون معنا في البيوت بدون أي عمل!
حجرات  لكل عائلة!
 
وداخل منزل الحاجة ذهبية شحاتة، لن تجد منزل بالمعنى المتعارف عليه فالبيت الذي يتجاوز عمره 100 عام وأكثر مقسم إلى عدة حجرات لا تتجاوز مساحة كل منها أكثر من 30متراً! ومع هذا  يقيم في كل منها عائلة لا يقل عدد أفرادها  عن 5 أفراد، وكما تقول عن طبيعة حياتهم: من أين نحصل على منزل أو بيت جديد فكل عائلة من هذه العائلات تعيش في حجرة واحدة وليس لديها حتى دخل مادي تدفع منه الكهرباء أو المياه، فهذه الفواتير متراكمة علينا  منذ شهور عديدة، وقد نجد أنفسنا في لحظة بدون أي خدمات لأننا لا نملك شيئاً، فكل ما تملكه هذه الأسر هو معاش الضمان  الاجتماعي الذي  كان لا يتجاوز 50 جنيهاً بالنسبة لي مثلا  ثم وصل إلى 320 جنيهاً، وهذا لا يكفي حتى مجرد شراء الطعام العادي، وبالتالي فالكثيرون منا لا يجدون ثمن العلاج، وهم في الأساس ليس لديهم عمل يتكسبون منه!
وفي الحجرة المجاورة لحجرة الحاجة ذهبية، تعيش هبة إسماعيل وهي أيضا مطلقة شابة عائلة لأسرتها، وتقول: عندي بنت وولد صغيرين باصرف عليهم بنفسي بعد طلاقي من والدهم، وأملي الوحيد أن ألتحق بفصل من فصول محو الأمية حتى أجد عمل بسيط، أو حتى أحصل على معاش لأنه لا دخل لدي للإنفاق على أبنائي!
وتضيف: وحتى من لديهم أبناء وصلوا لمرحلة الشباب يحلمون بإيجاد عمل لهم حتى لا يظلوا طوال الليل والنهار بالطريق العام بل ويساعدوهم، فالشباب لدينا لا يعمل ولا يجد قوته وبالتالي لا يستطيع الزواج بل وقد يدفعه هذا لارتكاب أخطاء عديدة.
إعاقة ذهنية!
ومن داخل منطقة مقابر باب النصر، تتكرر المشكلة بصورة  أو بأخرى، فهدى يس معوض أم شابة تعد العائل الوحيد لأسرتها وسط بيئة تعاني فيها وأبنها وزوجها من  أمراض عدة دون وجود حائط يحميهم!
وتقول: أعيش وزوجي المريض، وابني البالغ من العمر 26 عاماً والمصاب بإعاقة ذهنية وجسدية في المقابر، وقد قدمت بالفعل للحصول على شقة تحمينا من مخاطر الطريق منذ عام 2000، ولكن دون فائدة، فلم يهتم لحالنا أحد، وأملي الوحيد الآن أن أعالج ابني وأجد له عمل حتى يساعدني على شئون الحياة لأننا لا دخل لنا سوى معاش الضمان وهو لا يكفي حتى مجرد الطعام، وليس علاج تصل تكلفته لآلاف الجنيهات.
فقر وجهل ومرض
وعن هؤلاء النساء، تقول د.زينب شاهين أستاذ علم الاجتماع وخبيرة قضايا الأسرة والمرأة: بالرغم من وجود جهد حكومي واضح لمعالجة مشكلة هؤلاء النساء ليس فقط في المناطق العشوائية ولكن أيضا في مختلف المناطق الأكثر فقراً، حيث ترتفع نسبة المرأة المعيلة، من خلال تخصيص وزارة كاملة لدعم وتطوير هذه المناطق بل وما نتابع من أنشطتها أولاً بأول، لكن تفاقم المشكلة على مدى زمني طويل يجعل من الصعب حلها بشكل سريع، فالأمر سيحتاج بالطبع لوقت حتى نلمس تحسناً ملموساً في هذه المناطق، ودعونا نقف على أهم أسباب المشكلة هنا حتى نتحرك سريعا لعلاجه، فالفقر هنا يلعب دور البطولة، يليه المرض، وأيضا الجهل، فزوج هذه المرأة المعيلة قد يكون مريضاً أو لا يعمل أو يعمل في أعمال غير قانونية من واقع ما يخلفه هذا الواقع من مشكلات وجرائم، كالإدمان والبلطجة وغيرها، وبالتالي فالحل هنا لابد وأن يبدأ من تعليم هذه المرأة ومحو أميتها، فمحاولة توفير عمل بسيط لها بحيث يكفي حاجتها وفي نفس الوقت شمولها وأسرتها بتأمين صحي شامل .
أما عن الشباب فهؤلاء لابد وأن يتم إدماجهم بشكل سريع في المشروعات التنموية الكبرى، كمشروع حفر قناة السويس على سبيل المثال للاستفادة من طاقتهم، وبهذا سينخفض معدل الجرائم في هذه المناطق بصورة سريعة وملموسة.

المصدر: سمر الدسوقى
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 143 مشاهدة
نشرت فى 12 نوفمبر 2014 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,777,930

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود