عام آخر رحل حمل عصاه ومضى، وبقدر ما يؤلمنا فراقه نتهلل للعام الجديد ونستبشر خيرا، لكننا لا نعرف هل سيكون أفضل من سابقه أم أسوأ.. نحن نجلس فى محطة الحياة فى انتظار قطارات الأيام نتركها تحملنا إلى حيث يشاء القدر، دون أن نعرف إلى أين تقودنا.. قد يكون قطارنا متجها إلى أرض قاحلة لا يسكنها غير التنافس والتناحر والتسابق على ماديات الحياة الزائلة، أو يكون إلى أرض الحب والآمال الرحبة.. وما بين قطار وقطار نجلس فى محطات الحياة لا يجرؤ أغلبنا على الاختيار فالاختيار مسئولية ولكي نفضل شيئا لابد أن تتوافر لنا المعرفة، ونحن شعوب تجفل من التجربة، وتتلافاها بشتى الطرق, نحمى أنفسنا ونحمى ذوينا من الخوض فى رمال ناعمة قد تغوص بنا ولا نعرف منها فكاكا، ونلوذ بالعقل هو وحده المضمون ولكنه بارد كسطح القمر يسطع بنور غيره وعندما تقترب منه تكاد تقتلك برودته.  فالعقل هادى الطريق كالنجم من بعيد ولكنك لا تستطيع أن تعيش عليه وحده لابد من ريح هادئة تنعش نفسك وشمس ناعمة تدفئ قلبك، فبالحب يمكن أن يصبح لحياتنا معنى، والحب لابد أن يبدأ بذواتنا أولا.. فالمرء إذا أحب نفسه تمنى أن يحبها الآخرون أيضا، وراح يهذب أطرافها ويشذب رغباتها ويجمل سلوكياتها ويكبح جماح  نزواتها, هذا الحب الراقي للنفس هو وحده الذى يجعل من المرء إنسانا سعيدا، وهو حب يختلف تماما عن الأنانية، فالأنانية عاطفة سلبية يؤثر فيها المرء نفسه على كل الآخرين، أما حب النفس فهو عاطفة إيجابية تشجع المرء على أن يواجه نفسه من آن لآخر، فلا يخدعها وإنما يقود خطاها إلى حيث تلتقي السعادة مع الآخرين, فبينما الإنسان الأنانى يسعد ذاته وحدها ويُشقى الآخر،فإن الإنسان المحب لذاته يُسعد الآخرين ويشقى بوحدته.

وفى العام الجديد لابد أن نخلع جلودنا القديمة التى اهترأت وبُليت ولم تعد صالحة، ونواجه الأيام القادمة بقدر أكبر من الحب والشجاعة ورصيد أوفر من الأمل!

ولكن البعض منا لا يملكون القدرة على مواجهة النفس, ينظر الواحد منهم إلى المرآة فلا يرى إلا كل جمال,ولكم أذى الآخرين وأخطأ وأساء،ومع ذلك فهو لا يعترف لنفسه حتى وإن كان أساء لنفسه,وهكذا يصبح راكبا لقطار واحد يقود إلى المصير المحتوم حيث تشيخ الروح وتشقى النفس ويتضخم القلب بالآلام والأحزان ويبدو الطريق طويلا بلا نهاية، وقطار العمر يمضى بلا هدف, نراه يشكو فى أسى من غدر الأصدقاء ومكر الآخرين وقسوة الأيام وتدهور الأخلاق وشيوع فساد الذمم وانهيار القيم بين الناس, ينتقد بشدة الآخرين كأنه وحده بلا خطيئة، يحمل فى جعبته أطنانا من الحجارة يرجم بها الجميع مفترضاأنه حامل مشعل الفضيلة وحارس القيم, كان "دون كيشوت"، بطل رواية الأديب الإسبانى سيرفانتيس، فارسا نبيلا فى وقت انهارت فيه الفروسية وصارت موضة قديمة, غير الجميع جلودهم واستقبلوا التغيرات فى بلادهم بصدر رحب أما دون كيشوت فظل وحدهصامدا, يرحل عام ويأتى عام آخر وهو يقاوم ببسالة تيار الزمن، وبدلا من أن يصبح مثلا أعلى للبطولة والفروسية تحول إلى صورة للعناد وشخصية تثير الرثاء أكثر من الإعجاب، فالقطار الذى تشبث به كان يسير عكس الزمن, فمرحبا قطار العمر مادمت تتجه إلى الإمام.

المصدر: بقلم : إقبال بركة
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 103 مشاهدة
نشرت فى 3 يناير 2019 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,281,298

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز