حـــامـــد عويــس رائـــــــد

الواقعيـــة الاجتماعيـــــــة

الفــن سلاح

ورسالة حــــب

كتب :صلاح بيصار

عن عمر يناهز 92 عاما رحل الفنان الكبير حامد عويس رائد الواقعية الاجتماعية فى الابداع المصرى .. وكانت آخر كلماته لنا :

" 25 يناير..هذه الثورة تمثل عملية رائدة بالنسبة للعالم كله والجميل فيها ان الشباب هو الذى قام بها بينما نجد العواجيز مازالوا فى اماكنهم ..ولاشك انها ستغير وجه مصر.

كان ذلك بمنزله بشارع جرين بمحرم بك حين التقينا به منذ ثلاثة اشهر .

و كان معنا ايضا اصدقاؤه واحباؤه من ابناء الوطن من العمال والفلاحين يحلقون حولنا يفترشون الحوائط فى رسوم ملونة وأخرى بالابيض والاسود .. مع تلك النقوش التى تألقت بلمسته.. لمسة عويس والتى ابدعها بفرشاته كخلفية على الجدران تتألق باللون وسحر التشكيل .

كفر منصور

وقد توالت المحطات فى حياة الفنان الكبير حامد عويس رائد الواقعية الاشتراكية او الواقعية الاجتماعية فى الابداع المصرى المعاصر ..بدئا من قريته الصغيرة الخضراء "كفر منصور" .. احدى قرى محافظة بنى سويف وكانت المهد الأول حيث ولد ونشأ ..وكل ماكان يدهشه فى طفولته : طلعة الفلاحين فى الصباح مع تباشير النور وعودتهم مع بداية الغروب بتلك الملامح البارزة والتى تجسد الطيبة وقوة العمل والامل رغم قسوة الحياة . . يحملون الفؤوس ذات الاسلحة العريضة .. وربما.

وكانت المحطة الثانية حين التحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة أواخر الثلاثينيات من القرن الماضى .. وهناك سكن فى منطقة تبدو اشبه بخلية نحل .. تشغى بالعمال .. وكان يتأملهم ايضا فى خروجهم وعودتهم من الوردية .

وكانت المحطة الثالثة التى اثرت فى فن عويس انتقاله الى الإسكندرية ..البحر والصيادين وبنات بحرى وصداقته العميقة لفنانها الرائد محمود سعيد ..وسحر الحياة هناك مع الامواج والرمال والمراكب الشراعية وخليط البشر من الجريج والارمن والطلاينة .. وتلك الحوارات التى لاتنتهى مع ابنائه من طلبة كلية الفنون بالإسكندرية .

.واشبه بشهاب توهج جاء حديثه فى تجليات واشراقات

يقول عويس : كانت الدنيا غير الدنيا والحياة ابسط بكثير مما نعيشه الأن وكان الريف كما ولدته أ مه فى تلك القرية الصغيرة قرية "كفر منصور" من ضواحى بنى سويف .. فى هذا المناخ المفتوح على النور والظلمة والخضرة والجفاف وقسوة الحياة وحنوها فى مواسم الجنى والحصاد جئت الى الدنيا فى الثامن من مارس من عام 1919.

ومن البداية هفت نفسى الى التشكيل فترة الطفولة .. كنت اخرج الى شاطىء الترعة وبدلا من الاستذكار كنت استبدل الحروف والكلمات بعمل عرائس من الطين وخيول وطيور واطفال.

وفى المدرسة الثانوية .. جاء اهتمام مدرس الرسم واحتفاؤه برسومى وتشجيعه لى الى حد ان كلفنى بتزيين حوائط المدرسة من خلال تلك الرسوم التى كانت تضمها كراسة الرسم . وفى ذلك الوقت كنت اتردد على سينما بنى سويف وتعلقت بأبطال السينما الصامتة من افلام رعاة البقر خاصة النجم جارى كوبر .. وكنت اجمع اعلانات الدعاية وانقل ماتضم من رسوم مع الرسوم الملونة التى كان يحفل بها كتاب اللغة الانجليزية .

ومازال حامد عويس يتذكر : بعد حصولى على التوجيهية

فى شارع اسماعيل محمد بالزمالك وداخل فيللا امينة البارودى " مقر مدرسة الفنون الجميلة خطف قلبى واستولت على الدهشة حين طالعت تلك التماثيل التى تقف فى فناء المدرسة محفوفة بالخضرة الظلية وقد بهرنى تمثال افروديت هذه الحسناء التى تقف بذراعين مقطوعين وكم كنت اتمنى فى ذلك الوقت ان اكمل مانقص منها واجتزت امتحان القدرات وبعد عدة ايام .. هناك بمدرسة الفنون الجميلة وجدت اسمى معلقا بكشف الناجحين مع 14 من الطلبة ..وبدأت حياة جديدة .

وفى القاهرة سكنت بمنطقة شبرا الخيمة وكان هذا انتقالا اخر فى الزمان والمكان ..خاصة وهى منطقة صناعية مزدحمة بالعمال

احمد صبرى وبيكار

ولابد ان اسجل اعتزازى باثنين من اساتذتى: الرائد احمد صبرى والفنان حسين بيكار وكان معيدا علينا فى ذلك الوقت.

الفنون الجميلة

ويتخرج فناننا عام 1944 من الفنون الجميلة ..

وفى عام 1952 يسافر حامد عويس فى رحلة الى ايطاليا لزيارة بينالى فينيسيا وهناك يمتلىء بالواقعية الايطالية .

ومع لوحات عويس التى تجسد صورا من الحياة الاجتماعية .. تظل لوحته "وردية ليل- متحف الفن الحديث- 1953 " صورة تجسد انحياز الفن للطبقة العاملة .

يقول عويس :واذكر اننى كنت فى زيارة لصديق بكفر الدوار وهناك مصنع نسيج البيضا الشهير.. وعلى بوابة المصنع رأيت العمال وامام المصنع تطل ترعة وكوبرى .. كان العمال يعبرون الكوبرى وفى هذه اللحظة رسمت العديد من الاسكتشات .. وكانت هذه اللوحة.

فى عام 1958 يعمل مدرسا بكلية الفنون الجميلة بالإسكندية فى العام التالى لافتتاحها .. وتتأكد اواصر الصداقة بينه وبين فنان الإسكندرية الرائد محمود سعيد وينساب بينهما الحوار ولا ينقطع الحديث حول سحر الفن .

يقول :اقرب اعمال محمود سعيد الى قلبى لوحات السمك والصيادين ..اما الفارق بيننا فى الابداع :انا اهتم بشىء أراه مهما جدا .. اهتم بقيمة الانسان وعمله .. يهمنى المضمون بشكل اساسى .. اما محمود سعيد فيهتم بقيمة الانسان فى حياته .. فى جماله .. فى طلعته كإنسان .

فى اعمال محمود سعيد نوع من الجمال والطرافة .. هو يجعل الناس مبتهجين وسعداء اما انا فتجد عندى " حتة مأساوية " .

ومن بين لوحات عويس الوطنية " حماة الحياة و" العبور "..قلنا له وماذا عن لوحتى " امريكا _ 1970 " و "فلسطين _ 1975 " ؟.

رد فى بساطة : لاشك ان الفن له قدرة كبيرة على التنبؤ ..وتمثل لوحة امريكا تأكيدا على هذا ..لوتأملتها تجد وردة حمراء وتجد الحصان الاسطورى الميكانيكى الطابع .. المسلح والمدرع فاردا ساقه يهم بتحطيم تمثال الحرية ..حاليا أمريكا تدمر نفسها بنفسها كما نرى فى العراق وافغانستان وتصادر حرية الشعوب . . وهذا حدس من الفنان .

اما لوحة فلسطين ..ففى البداية نجد الشعب ضعيفاً بفعل القوى الغاشمة لكن لايستسلم ومن هنا جسدته فى صورة شخص فولاذي.. بجسد من المعدن الصلب والعضلات ذات طابع اليكترونى مسكونة بالتروس.. والبطن عبارة عن تجويف جعلت بداخله طفل صغير .. بعد هذا بعشرين عاما ظهر هذا الطفل والذى كان فى اللوحة بمثابة الشحنة .. ظهر متمثلا فى اطفال الحجارة ..وهكذا يتنبأ الفن ايضا !!.

والفنان الكبير حامد عويس .. صور بنت البلد فى رداء عصرى تحمل كتابا وحقيبة .. محفوفة بزوج من الحمام واصص من النباتات وخلفها امرأتان بالملاية اللف فى حوار حول تك الفتاة التى خرجت من بينهما تتطلع الى المستقبل فى تفاؤل .

وقد جاءت لوحة " البطالة -1989 "صورة شديدة البلاغة تصور هذا الرجل المقعد الذى تتجسد فيه ملامح العجز .. فى كتلة تتشابك فيها اليدان دلالة على اليأس وفقدان الامل . .

ببيته ومن داخل مرسمه كانت تطل " عروسة المولد " والتى تمثل أحدث اعماله وهى لوحة لم تكتمل لمساتها يوم كنا هناك .. تمثل امتدادا وايقاعا اخر للوحته التى رسمها من قبل عام 1958 لعروسة المولد ولكن فى دنيا اخرى جديدة فيها سحر اللحظة .

تحية الى روح محمد حامد عويس بعمق لمسة تألقت بالسحر ومازالت تعكس لمعنى الفن .

المصدر: مجلة حواء -صلاح بيصار
  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 1445 مشاهدة
نشرت فى 13 أكتوبر 2011 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,442,858

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز