
هدى إسماعيل
في أكتوبر 1973 كان المشهد واضحا.. عدو على الضفة الأخرى، وجيش يستعد لاسترداد الأرض، وشعب تحمل سنوات صعبة وهو يثق بأن لحظة النصر ستأتي وبعد أكثر من . من نصف قرن تغير شكل المعركة، لكن بقيت قيمة واحدة لا تتغير " وعي المصري وثقته في وطنه وقدرته على مواجهة التحديات.
من هنا تأتي أهمية استعادة روح أكتوبر اليوم، ليس باعتبارها ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما تجربة وطنية تحمل الكثير من الدروس للأجيال الجديدة، وفي حوار خاص مع مجلة «حواء» يتحدث لواء أركان حرب حسام الدين أنور، أحد رجال القوات المسلحة المصرية ومستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، عن الأجواء التي عاشها المصريون مع حرب أكتوبر، وكواليس الاستعداد للمعركة، وكيف تحولت روح النصر إلى ما يسميه «العبور الثاني» ثم «العبور الثالث نحو الجمهورية الجديدة، كما يتوقف عند معركة الوعي التي يرى أنها أصبحت مسؤولية أساسية في مواجهة الشائعات والمخاطر الجديدة ويوجه رسالته إلى الشباب حول دورهم في حماية ما تحقق وبناء المستقبل.
كيف تتذكر الحالة الشعبية والوطنية التي عاصرتها خلال حرب أكتوبر وما بعدها مباشرة؟
التحقت بالكلية الحربية في 11 نوفمبر 1973، أي بعد العبور ومما لا شك فيه أن إجراءات الاختبارات والكشوفات الكلية تستغرق شهرا على الأقل، أي أننا قدمنا أوراقنا في شهر أكتوبر والحرب ما زالت أوزارها قائمة ونتائجها لم تحسم بعد. في ذلك الوقت، تقدم للالتحاق بالكلية الحربية 20 ألف شاب مصري، في حين أن إجمالي تعداد سكان مصر حينها كان 38 مليون نسمة فقط، هذا له مدلول عميق جدا؛ فعندما يتقدم 20 ألف شاب والحرب مشتعلة، فهم لم يذهبوا بحثا عن وظيفة، ولا رغبة في مظهر أنيق أو وجاهة البدلة العسكرية، بل ذهبوا لشعورهم النابع من الداخل بأن وطنهم في خطر ولا بد أن يكون لهم دور في الحفاظ عليه، وفى النهاية قبل منا 1000 طالب فقط، لكن الانتماء والولاء كانا في الإقبال الجماهيري للشباب، وهو ما يدل على مدى حب المواطن والشاب المصري لبلده.
من واقع تخصصك في سلاحالمدفعية، ما الذي يجعلك تعتبر التخطيط لمعركة أكتوبر نموذجا استثنائيا في فن الحرب؟
الإعداد والتجهيز لحرب أكتوبر يدرس حتى يومنا هذا لشدة تعقيده، أذكر لك مثالا بحكم تخصصي في سلاح المدفعية: كيف يمكن لـ 2000 مدفع على مواجهة 175 كيلومتراً أن يشاركوا في الحرب بضربة واحدة لتمهيد النيران لمدة 53 دقيقة دون أن تكشف نية الهجوم للعدو الذي بينك وبينه 100 متر فقط؟ السيطرة على 2000 مدفع يطلقون النار في وقت واحد عبر الجيشين الثاني والثالث هي عملية معقدة جدا وجزء من خطة خداع استراتيجي فذة.
عندما نتحدث عن «روح أكتوبر» ماذا تعني لك هذه العبارة بعيدا عن كونها مجرد ذكرى للنصر؟
روح أكتوبر هي بالتحديد الحالة التي وصفتها لك الوضع الاقتصادي في ذلك الوقت كان صعبا جدا جداً، وكان المواطنون يواجهون صعوبة شديدة في الحصول على المستلزمات الحياتية اليومية، ومع ذلك لم يكن أحد يشتكي.
في الوقت نفسه، كان هناك إعداد وتجهيز على أعلى مستوى للقوات المسلحة، والمواطن البسيط لم يكن يعلم تفاصيل ما يتم، لكن سبب صبره وجلده ووقوفه بجانب دولته كان مستندا إلى الثقة ثقة مطلقة في القيادة السياسية وثقة في القوات المسلحة، وعندما تحقق النصر في 73، شعر الشعب بأن تعبه وصبره كان له مردود عظيم وعمت الفرحة لاستعادة الأرض واسترداد الكرامة.
إذا كان عدو الأمس واضحا أمام أعيننا، فكيف ترى طبيعة المخاطر التي تواجه مصر اليوم ؟
في عام 1973 كان العدو معلوما وواضحا أمامك، وكنت تستعد للوقوف امامه، أما الوضع الآن ومنذ عام 2011. فقد بدأ الشكل يتغير وظهر مفهوم جديد ونمط مختلف للحروب، مثل حروب الجيل الرابع والخامس والشائعات والإرهاب والسوشيال ميديا وغيرهم الكثير، ولذلك أعتبر أن ما حدث في عام 2013 هو «عبور ثاني»، استطعنا من خلاله أن نعبر بالوطن بعد أن كان يتجه لمصير مجهول، وذلك بالتفاف المواطن وثقته في الجيش المصري.
تحدثت عن «عبور ثان».. فكيف تصف العبور الذي تعيشه مصر حاليا ؟
في العبور الذي نمر به الآن هو بناء «الجمهورية الجديدة»، المتمثل في التنمية في كافة مجالات الدولة، وهذا العبور يستند كليا على التفاف المواطن وثقته في قيادته ودولته، وعندما نقول إننا نريد استحضار روح أكتوبر»، فنحن تعني أن يلتف المواطن حول قيادته ويدعمها ويؤيدها، وأن تتوفر لديه الثقة بأن القرارات المتخذة لها مردود إيجابي الصالح الوطن، خاصة وأن التحديات والتهديدات الحالية كبيرة جدا وتستهدف الاتجاهات الإستراتيجية الأربعة للدولة في وقت واحد.
كيف نزرع في في شباب اليوم روجا تشبه روح جبل أكتوبر، رغم اختلاف الظروف والأدوات؟
إقناع الشاب وإعداده ليكون كشباب 1973 يتم من خلال «التوعية»، أو ما نسميه بـ «معركة الوعي»، الشاب يمارس حياته اليومية سواء كطالب أو كموظف، ودورنا أن نوضح له ونعرفه بالمخاطر المحيطة بنا وأن شكل الخطر قد تغير ليستهدف استقرار الدولة وتأثيره سينعكس عليه كشاب وعلى الوطن ككل، نقول له: «احذر الشائعات، واهتم بدراستك إن كنت طالبا. أو بعملك إن كنت موظفا لتؤمن نفسك وأسرتك ودولتك»، الوعى هو أساس كل شيء، وكما يكرر سيادة الرئيس دائما: «قولوا للناس وعوهم»، لأن المواطن إذا عرف واستوعب سيتنبه ويتصرف بمسؤولية.
هل ترى أن شباب اليوم أقل استعدادا للتضحية من شباب جيل $1973
لا يجب أن نعمم أبداً، من خلال الدورات التثقيفية التي تنظمها بناء على توجيهات سيادة الرئيس في كلية الدفاع الوطني أنا أحتك بالشباب بشكل مباشر، وهناك شباب واع وفاهم جدا، وحتى من لم يكن مدركا في البداية، بمجرد أن توضح له الحقائق يقول: «أنا لم أكن أفهم، والآن فهمت»، المهم هو التوعية لكي يحمي الشاب نفسه وزملاءه وأسرته.
في ذكرى أكتوبر، ما الرسالة التي تحب أن توجهها إلى أبطال الحرب وإلى شباب مصر؟
أولا أوجه رسالتي لمن شاركوا في الحرب رحم الله من رحلوا وجعل مثواهم الجنة، وبارك الله في صحة من هم على قيد الحياة، فلولا تضحياتهم وفدائهم لما كنا في هذا الوضع اليوم.
ورسالتي للشباب: أنتم من ستجنوا ثمار كل ما تم بناؤه، وأنتم المسؤولون عن الحفاظ عليه وعلى بلدكم، كونوا على درجة عالية من الوعي بالمؤامرات وحقيقة العدو، لا تنساقوا وراء الشائعات وتحققوا من مصدرها، واهتموا بعملكم ودراستكم، فمصر محفوظة بأمر الله ثم بوعي شعبها وقوة جيشها وقيادتها.



ساحة النقاش