
هدى إسماعيل
منذ قرون طويلة والكنافة وحلويات رمضان تشكل جزءا أصيلا من الموروث الشعبي للشهر الكريم، فهى حلوى ولدت من رحم التاريخ، وحملت معها رائحة الأزمنة القديمة، فلم تكن الكنافة يوما مجرد صنف حلو بل علامة على قدوم الشهر الكريم، حيث تقدم بعد الإفطار وكأنها طقس لا يكتمل رمضان بدونه، فبين أفران الحارات، وأيادي الجدّات ظلت الكنافة شاهدة على ذاكرة رمضانية تتوارثها الأجيال، تحفظ طعم الماضي وتمنحه حياة جديدة كل عام، وكذلك يأتي المسحراتي كرمز من الرموز الهامة فى الموروث الشعبي حيث أتخذ أكثر من صورة على مر التاريخ ولكنه استمر رغم التطور الحضاري موجودا بيننا.
تغنى بالكنافة العديد من الشعراء في قصائدهم منذ القدم، ويقال أن ابن الرومي كان معروفا بعشقه للكنافة والقطايف وتغنى بهما فى شعره، وقد كانت الكنافة من العادات المرتبطة بالطعام في شهر رمضان في العصور القديمة كالأيوبي والمملوكي والعثماني والحديث باعتبارها طعاما للجميع
مما أكسبها طابعها الشعبي... الكنافة في عيون الرحالة
بلغ اهتمام المصريين بالكنافة إلى حد جذب انتباه الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في القرنين الـ 18 والـ 19، وتحدثوا عنها وعن طرق إعدادها، كما اهتم بتسجيلها علماء الحملة الفرنسية في موسوعة «وصف مصر» في الجزء الثاني من لوحات الدولة الحديثة، وقدم العالم كونتيه رسما دقيقاً لورشة صانع الكنافة، كما خصص لها العالم الفرنسي بوديه مقالا استهله بعبارة «فن صناعة الكنافة».
ويقول: يمسك شيخ الكنفانية في يديه إناء تخترق قاعه ثقوب عديدة، ويملأ هذا الإناء بخليط من سائل يتكون من دقيق القمح أو الذرة البيضاء والبيض والماء، وعن طريق حركة دائرية يقوم بها الحرفي باليد التي تحمل الإناء تنبسط المادة متسربة عن طريق الثقوب على سطح صينية محماة، لتنضج في وقت قصير ثم تنفصل من تلقاء نفسها». ويضيف: «المصريون شرهون للغاية لهذا النوع من الطعام، ويأكلونه وهو شديد السخونة، وفي معظم الأحيان في المكان
الذي أعد فيه أي في المحل نفسه». كما قدم وليم لين وصفا موجزا في دراسته لماهية الكنافة وطريقة إعدادها، كما رآها قائلا: «تقدم أحيانا أنواع عديدة من الحلويات لا دخل لها هنا بأنواع اللحوم، منها «الكنافة» وهي من أطباق الحلويات المفضلة لدى المصريين، وهي تصنع من دقيق القمحوفتائل العجين الدقيقة وتقلي بـ وتقلي بقليل من الزيد المخفف ثم تحلى بالسكر أو العسل.
المسحراتي
كما في الكثير من البلدان، تتميز مصر بمهنة المسحر أو «المسحراتي» الذي يتولى إيقاظ الناس من النوم لتناول لتناول وجبة السحور قبل صلاة الفجر استعدادا ليوم صيام جديد ويقدم العالم الفرنسي، جيوم أندريه فيوتو تعريفا بالغ الدقة لهذه المهنة في دراسة مهمة تناول فيها بالفحص الدقيق الموسيقى والغناء عند المصريين المحدثين منشورة ضمن دراسات وصف مصر». ويقول عن المسحر: «هم نفر لا يسمع
الناس غناءهم إلا خلال شهر رمضان، ويسمون بالمسحرين، ويوصف بهذا الاسم أولئك الذين يعلنون كل يوم طيلة شهر رمضان عن اللحظة التي يوشك فيها نور النهار الجديد أن ينبلج من ظلام اليوم المنصرم، وهي تسمى في اللغة العربية بوقت السحور، وهي أيضا الفترة التي ينبغي أن تتم فيها آخر وجبات الليل، لذلك يطلق على هذه الوجبة السحور» وبعد انتهاء الوجبة لا يُسمح للمسلمين أن يشربوا ولا أن يأكلوا حتى مغرب الشمس وهم ملزمون بمراعاة هذه الفترة بعفة صارمة».
ويضيف: «لكل منطقة في القاهرة مسحرها الخاص الذي يبدأ جولته بعد ساعتين تقريبا من المغيب، ويحمل في يده اليسرى ما يعرف بطبلة المسحر، وفي يده اليمنى عصا صغيرة أو سوطا يضرب به عليها، ويرافقه صبي يحمل قنديلين في إطار من أعواد النخيل، ويتوقفان أمام منزل كل مسلم».
ويصف الفرنسي أندريه فيوتو، التزام كل مسحر بمنطقته الخاصة قائلا: «لا يجوب أي من المسحرين سوى الشوارع الداخلة في نطاق حيه هو، ولذلك فلكي يسمح له بالقيام بهذه المهمة، فإنه ملزم بدفع رسوم إلى الشخصية المنوطة بحراسة الحي».
ويستطرد: «بعد أن يتلو المسحر بعض الأدعية الدينية، يبدأ بإنشاد بعض الأشعار ويقص حكايات شعرية، ويتمنى أمنيات سعيدة لرب البيت، مستصحبا في ذلك كله طبلته الصغيرة، التي يدقها على شكل فاصلات تتكون الواحدة منها من أربع دقات متعاقبة».



ساحة النقاش