سينما العشوائيات ما لها.. وما عليها

كتبت : منال عثمان

لا يمكن أن تجلس فى محيط يعشق السينما.. إلا وتجد جدلاً لا ينتهى مناقشته إلا بخلاف مدبب الأطراف.. كل جانب متمسك برأيه.. فى قضايا العشوائيات التى اقتربت منها السينما فى الفترة الأخيرة ، البعض يجده بشكل صادم.. ومؤرق.. ومقلق وقد يكون متماهى الملامح.. بالنسبة لمن لا يحتمل الغبار على حذائه الذى يرى الكوب من جزئه الممتلئ فقط.. ولا يلوح على خاطره ولو للحظة أن هناك من يتنفس معه فى نفس المدينة.

يعيش فى بيوت مصنوعة من الصفيح أو الخشب، أو حتى فى بعض الأحيان من الورق المقوى كما صرح أحد المخرجين الشباب فى ندوة فى مهرجان الإسكندرية قبل الماضى.. لكن ليست الجدران الهاوية فقط هى التى تؤرق ما يحدث فى العشوائيات من تجاوزات وخروج عن المألوف والثوابت والمعايير والعناصر الحافظة والمحافظة، وضرب عرض الحائط بالمبادئ والشرف والكرامة.. كل هذا يتصاغر فى العيون ويرتحل من الأفئدة، مع شظف العيش والفقر والإملاق والإذلال والمهانة و... و... هو الذى يوجع.. ولأن المهمة الأولى أو الأكثر وضوحا للسينما فى مصر أو فى أى مكان فى العالم هو الرصد الحى للمجتمع بكافة جوانبه ، هذا إلى الجانب الوردى من أفلام النهايات السعيدة التى كانت فى جميع مراحل السينما من تهبها التوهج وتضعها فى حيز الأمل لكل من يحمل موهبة.. إلا أن مهمتها فى رصد الأوجاع وكشف الغطاء عن مستور المجتمعات فى شكل سينمائى درامى محبوك هو الذى يعطى أى سينما فى العالم استمراريتها.. ووجع العشوائيات فى مصر والحقيقة تقال أول يد امتدت له كانت يد المخرج الراحل الكبير يوسف شاهين فى فيلم قصير ثارت حوله الهمهمات اسمه (مصر منورة بأهلها) قبل سنوات، وعرض على استحياء سواء فى نقابة الصحفيين أو غيرها ، ومع ذلك لم يسلم شاهين من ألسنة حادة اتهمته أنه ينشر غسيل مصر الــ.... على العالم وبحث بكاميرته فقط عن القمامة والبيوت العشوائية على أطراف المدينة التى ليس بها ماء أو كهرباء ، أو صرف صحى أو.. أو.. ودافع الرجل بأنها أماكن موجودة، وهناك بشر من لحم ودم يعيشون بهذه الطريقة، عشرة فى غرفة واحدة، وصرخ لماذا تغمضون الأعين ولا تحاولون حل مشاكلهم..؟ أتيت لكم وهذا دور السينما بمشكلة كبيرة مع الوقت ستكون كالقنبلة الموقوتة وليس دورنا أن نحلها... السينما ترصد لا تحل.. ولا حياة لمن تنادى، مرت الأيام وأصبحت فعلا مشكلة العشوائيات كالقنبلة الموقوتة، وها نحن الآن نحاول أن نلملم حوافها قبل الانفجار، فبعد ثورة يناير بدأ النجم الكبير محمد صبحى ومجموعة معه فى جمع الأموال لحل مشكلة العشوائيات ولو على شكل مرحلى، وهى مهمة أتمنى أن يعينه الله عليها هو ورفاقه ولا يفاجأوا بأن الاستفحال قد يعيق مجرد البدء.. ولأن كثرة المياه تطفو بالأصداف.. طافت المشكلة على سطح الماء فى مصر.. لكن لم تكن صدفة مملوءة باللؤلؤ.. بل بالعذاب الذى رأيناه مجسدا بشكل أرقنا جميعا فعلا فى فيلم المخرج المتميز خالد يوسف (حين ميسرة) الذى كان كاللطمة على الوجوه الناعمة، لم يصدقوا أن من الممكن أن يحدث كل هذا فى مصر.. مع افتقاد الجدران الأربعة ولقمة العيش واحترام الآدميـة والسحـق تحـت وطأة الحاجة، يتنازل الناس عن كل شئ حتى يصبح التنازل قانونهم الخاص.. شرحوا فيلم خالد.. وطاردته هِراوات النقاد الكتابية بأنه يعيد كرة أستاذه شاهين لكن بشكل أكثر صعوبة، وفى فيلم روائى طويل.. خرج خالد مصرحا أنه لم يقدم إلا جزءاً يسيراً جدا مما هو معاش فى الأصل، ودعا الوجوه الناعمة أن تنزل إلى هذه الأماكن قبل أن ينطقوا بكلمة.. وقرر أن تكون هذه المرحلة تشريحاً سينمائياً خاصاً للعشوائيات.. فما كاد يزيل عن يديه أتربة «حين ميسرة» حتى دخل فى عشوائية أخرى فى «دكان شحاتة» وأيضا «كلمنى شكرا» حتى أن بعض الأفلام أطلقت على هذه المرحلة «الواقعية الجديدة جدا» بما أن الأفلام الواقعية التى أرخوا لها أو لبدايتها بفيلم كمال سليم «العزيمة» بطولة فاطمة رشدى، ثم مراحل أفلام صلاح أبو سيف التى كانت تقدم الحارة أو المنطقة الشعبية بواقع حميمى البيوت المتلاصقة والقلوب المتآلفة.. وحب ابن الجيران وهذه الأشياء، والمتمـردون مـن شبـاب سينما هذه الفترة كـانـوا يرونهـا واقعية «بلاستيكيـة» إن صـح التعبير.. ثم كانت الواقعيـة الأخـرى أو الجديدة التى قاد تيارها المخرج الرائع عاطف الطيب رحمه الله مع خان وبشارة وغيرهما، وهذا الجيل - جيل الثمانينيات والتسعينيات أخلص بقوة للطبقة الوسطى وخاض معهم صراعا عنيفا مع الطبقات المستغلة.

وفى هذه الآونة تكاتفت عوامل كثيرة لصنع هذا الجيل العشوائى فى مصر ، بعض المحللون أرجعوا ظاهرة العشوائيات إلى عدة عوامل، منها الزيادة السكانية المفرطة وهجرة الكثيرين من الريف إلى المدينة.. نقص السيولة المالية.. وقوع الزلزال عام 1992، وسقوط أبنية وبيوت كثيرة لم يجد معظم قاطنيها إلا العيش فى العشوائيات التى كانت فى البداية على أطراف المدينة ، ثم توغلت وأصبحت مدناً عشوائية كاملة.

فى هذا التوقيت من السنوات الأولى من التسعينيات اختلفت الأحوال فى السينما.. رحل جيل العمالقة تقريبا كله ، واعتكف البعض وأخلوا الساحة السينمائية لنجوم شباب كان كل همهم الضحك، وأفلام بلا هدف ولا لون يصورونها فى مارينا وشرم الشيخ و... و...، لتبرز فى السنوات الأخيرة السينما الواقعية جدا.. ولا أجد غضاضة فى أن أطلق عليها سينما العشوائيات... فخالد يوسف ولو أنه كان الأسبق لكنه لم يكن الأوحد الذى سلط الضوء وكشف الغطاء، وأوجع عيون كثيرين كانوا يعيشون فى ظلمة ظنا منهم أنه لا موبقات تجرى وراء الجدران الصفيحية أو البيوت التى بلا ضمان ولا ترخيص.. بيوت صنعت من الهواء ومن يسكنها يعيش أيضا فى الهواء والعراء... تبلد من كثرة ما قاسى فى الدنيا.. لا يهمه جلب ورقة توت تستره فأى شئ سيستر؛ كل شئ به عارى.. جسده وضميره وأحلامه ومعتقداته.. كأنه يقول للعالم.. يصفعه بعريه.. ابتذاله.. باختراقاته... فلا أنسى فى مشهد فى فيلم حين يقولون للبطل.. حقوق الإنسان.. يقول بتهكم - حقوق مين !! «إنسان هو لسة فى الدنيا إنسان»!

تأسينا كثيرا فى أفلام خالد.. بهذه الواقعية جدا وفى أفلام سامح عبدالعزيز «الفرح» و«كباريه» وهذه العشوائية التى لا تقل عن كونها مرحلة معذبة.. نرى واقعاً مريراً.. نراه ولا نقترب... أخذونا واقتربنا... بأفلام مهمة تشكل مرحلة غامضة الملامح.. لكن هذه هى السينما دائما... ترصد المشكلة حتى ولو كانت بكل هذا الوجع... وأراها نجحت فمن شاهد هذه الأفلام مازال.. يتوجع .

المصدر: مجلة حواء- منال عثمان
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 362 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,814,023

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود