الدرس

بقلم: محمود قتاية

ريشة: محمد سالم

دخلت نادية غرفتها .. أغلقت بابها .. كانت حائرة، تأخذ أنفاسها بصعوبة تكاد تختنق .. لمحت صورتها شاحبة فى المرآة وقد ملأت عينيها غيوم الحزن، تخففت من بعض ملابسها وارتمت على سريرها..

فجأة هطلت دموعها وهى تحدق فى الصورة المؤطرة بالسواد لزوجها وحبيبها الراحل عادل .. كانت عيناه تنظران إليها تلك النظرة الحانية التى كم خففت عنها الأحزان!

خاطبته هامسة: أعمل إيه يا عادل؟

دبرنى .. البنت عايزة حل؟

حل سريع .. مستقبل سامية هيضيع يا عادل .. لازم حل سريع .. !

اغرورقت عيناها بالدموع مرة ثانية .. وعيناها تخاطبه:

إنت عارف إنى ما جيت لك بأية مشكلة من يوم رحيلك .. أنا كنت عايزة أبقى شاطرة ومايتخافش علىّ من المشاكل زى ما كنت بتقوللى .. لكن النهاردة أنا بتقابلنى مشكلة محيرانى .. المشاكل إللى قابلتنى كلها قدرت عليها!

أوراق معاشك جهزتها وصرفت المعاش، إيجار السكن .. مصروفات الكهرباء والغاز والتليفون حتى رسوم المدرسة وملابس سامية وكتبها، السيارة إللى بتنقلها إلى المدرسة .. فراقك يا عادل ووحدتى .. كله كله قدرت عليه وكان كل تعب يهون ما دمت شايفه بنتنا راضية ومش شايلة هم .. موفقة فى دراستها وكان يكفينى ويريحنى أنى أرى صورتك وفيها نظرة رضاك .. وترف روحك فى سما بيتنا كأنك مازلت معنا وأنام مرتاحة البال وصورتك فى قلبى وأقول « لو عادل معانا كان حيبقى سعيد بإللى عملته» ..!

لكن النهاردة .. لأول مرة أنا مش عارفة أعمل إيه؟

سامية ياعادل النهاردة دخلت واترمت فى حضنى بعد ما رجعت من المدرسة والنهاردة تالت يوم من بداية العام الدراسى .. كانت بتبكى وتقول:

من أول يوم مش فاهمة حاجة فى الكيمياء يا ماما .. سألت زميلتى هناء عن الحل ردت علىّ وقالت:

ومش حتفهمى فى الفصل .. أستاذ إبراهيم بيدى الدرس إللى بيفهم فى البيت .. بكره هاتى خمسمائة جنيه دفعة أولى وتعالى معايا .. مجموعتنا حتكون أربعة أفراد .. وحتبتدى بعد يومين .. من غير كده مش حتفهمى فى الفصل يا حبيبتى .. شرح الأستاذ إبراهيم إللى على أصوله بيكون فى البيت مش فى فصل المدرسة .. فى الدرس الخصوصى يا أختى حتفهمى .. !!

قالت سامية ده ياعادل والدموع ماليه عينيها..

طبعا نظرت إليها بعتاب .. كنت عايزة أقول لها إزاى فتاة متفوقة زيك تاخد درس خصوصى؟ إنت ماعملتيهاش فى شهادة الإعدادية ..؟

وكنت من أوائل المدرسة ومن المتفوقين على مستوى المنطقة التعليمية .. ليه السنة دى بيحصل كده؟

ما قلتلهاش ده .. لكنها فهمت بذكائها نظرتى وقالت:

حاولت يا ماما إنى أفهم من الأستاذ إبراهيم فى الفصل .. حاولت إنى أجاوب على الأسئلة وأحل المسائل إللى كلفنا بحلها .. ماقدرتش لأنى ما فهمتش شرحه .. حاولت مرة ومرة أخرى ماقدرتش .. سألته جاوبنى بامتعاض وبشرح مختصر ما بيوضحش إللى سألت عنه وأمرنى بقسوة إنى أنتبه أثناء الشرح!

أدركت نادية أن ما فعله هذا المدرس مع ابنتها يهدف إلى إجبارها على اللجوء إليه لتطلب الدرس الخصوصى!

تحسرت على زمن مضى، وشعرت برغبة شديدة فى أن ترجع إلى صور أساتذتها الذين تعلمت على أيديهم .. فقامت وأحضرت ألبوم الصور القديمة الذى يضم صور الطفولة وأيام الدراسة والذى ترجع معه إلى أحلى أيام العمر !

راحت تستعرض صورها وهى طالبة وتتذكر الأيام الحلوة، أيام الدراسة والشقاوة وتوقفت عند صورة نهاية المرحلة الثانوية كانت صورة آخر العام الدراسى يتصدرها الأستاذ عبد الودود مدرس اللغة العربية الذى كان يطير بالتلميذات على جناح الشعر إلى سماوات العالم العربى، وكن معه يشعرن بقيمة هذا العالم الغنى بروحانياته وبثراء لغتنا وجمالها ووقف بجانبه الأستاذ زكى بنظارته الميكروسكوبية والذى كم أراهُن آيات الخالق العظيم فى الأحياء .. !

وعلى الجانب الأيسر من الصورة كان يقف الأستاذ مدحت منصور أستاذ الرياضيات الذى كان عاشقاً للعلم .. فناناً وهو يشرح لهن اتساق نظام الكون بالهندسة وبالمعادلات الرياضية الدقيقة.

كن تلميذات صغيرات وجوههن نضرة تشرق بالابتسامات وهن يحطن بهم .. كانت نادية تقف بجوار أبلة خديجة مدرسة الكيمياء التى وضعت يدها على كتفها .. إنها ما تزال تذكر مشاعرها المفعمة بالسعادة أثناء التقاط هذه الصورة رغم مرور السنين، ولاتنسى أن أبلة خديجة نادتها وقتها وقالت: تعالى يا نادية قربى علشان تتصورى جنبى .. كم كانت تحبها حباً لا تستطيع وصفه، لم تكن وحدها التى تحبها .. كل التلميذات كن يحببنها وكن ينتظرن حصتها بشغف ولهفة .. كانت حصة الكيمياء بشرح أبلة خديجة مُتعة ..

كانت طويلة البال وتقترب بأمومة من كل طالبة وتنبهها إلى الخطأ إن وقعت فيه، وتوضح أسبابه وتدلها على الصواب .. وكانت تستمر معهن حتى يفهمن .. أما المتعثرات فكانت تجمعهن فى حصص إضافية بعد الدراسة وتساعدهن حتى تذلل لهن كل صعب .. وتساءلت نادية: ماذا جرى فى الدنيا؟

لم تطلب أبلة خديجة منهن شيئاً مقابل الدروس الإضافية، وكانت تشرح لهن بحب وتسعد حين يفهمن .. لذا أحبت نادية دروس الكيمياء، والتحقت بعد حصولها على شهادة الثانوية العامة بكلية العلوم لتشبع رغبتها فى الاستزادة من دراسة الكيمياء رغم ما كان يشاع عن صعوبة الدراسة بهذه الكلية.

عادت نادية تنظر إلى صورة أبلة خديجة .. كانت الأستاذة تقف كأم .. تأملت عينيها .. وجدت نفسها تقول وكأنها تجيب على اقتراح:

ولم لا !! أذاكر معها .. الأمر لا يحتاج منى إلا مراجعة منهج الدراسة ..!

قامت .. دخلت غرفة ابنتها .. كانت الصغيرة جالسة ورأسها بين يديها منزوية فى انكسار .. اقتربت منها وقالت لها وهى تجلس بجوارها وابتسامة واثقة تملأ وجهها:

هاتى كتاب الكيمياء ..

فتحته .. تصفحته .. كانت ابتسامتها تتسع وهى تقرأ .. ونظرت فى عينى سامية وقالت فى اعتداد وثقة:

اطمئنى يا حبيبتى .. لا تحملى هماً .. حنحل كل المسائل سوا .. إنت ناسية إن ماما دارسة كيمياء تمام فى كلية العلوم ..!

لا طبعا .. ياريت يا ماما..!

بدأت نادية تشرح وسامية سعيدة .. لكنها لاحظت أن ثمة قلقاً يتأرجح فى عينى ابنتها فربتت على كتفها وقالت:

فيه حاجة يا سامية .. إنت مش فاهمة حاجة منى؟

لا يا ماما .. أنا فاهمة منك كويس قوى عشان إنت شرحتى إللى مش بيشرحه الأستاذ إبراهيم ..

أمال فيه إيه ..!؟

أنا بس بأفكر لو مدرس الرياضة مابقاش يشرح كويس فى الفصل وعمل زى الأستاذ إبراهيم حنعمل إيه؟!

ضرورى حنلاقى حل .. ومش بدرس خصوصى ..!

 

المصدر: مجلة حواء -محمود قتاية
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 458 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,603,057

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز