الأم هي "الجندي المجهول" في ظهر أبنائها فمهما وصلوا إلى أعلى المناصب تبقى سر النجاح والتقدم، فعلى مدار العصور كانت الأم في كل زمان ومكان تسعى لتربية أبنائها ودعمهم للتغلب على كافة القيود والحواجز كل في مجاله لصناعة أمجادهم، ما جعلها تمثل مصدر القوة والحياة لأبنائها وتشكل تأثيرا ووعيا في حياتهم، فعندما نتطلع إلى العظماء نعرف أن وراءهم أمهات هن من صنعن مجدهم، ولدينا العديد من النماذج المشرفة التي أثرت والدتهم في حياتهم ليصبحوا عظماء، كما نعيش معهم فى رحلتنا التالية.

نجيب محفوظ

كانت والدة نجيب محفوظ سيدة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ومع ذلك كان يعتبرها مخزنا للثقافة الشعبية، إذ كانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار، ودائما ما كانت تصطحبه إليه في زياراتها اليومية، وكانت تطلب منه قراءة الفاتحة عند دخول المسجد وتقبيل الضريح، وكانت هذه الأشياء تبعث في نفسه معاني الرهبة والخشوع، وكانت علاقة نجيب محفوظ بوالدته أقوى من علاقته بوالده، إذ عاش معها فترة طويلة بعد وفاة والده الذي رحل عام 1937، بينما هي عاشت حتى تجاوزت المائة عام، وتوفيت عام 1968، وفي كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ" قال محفوظ: الحقيقة أن علاقتي بوالدتي كانت أوثق من علاقتي بوالدي لأسباب كثيرة، منها أن والدي كان مشغولا، ودائما كان خارج البيت في عمله، في حين أنني كنت ملازما لأمي باستمرار، وفي حين أن والدي مات عام 1937 عاشت أمي بعده سنوات طويلة، إلى أن تجاوز عمرها المائة عام، وتوفيت إلى رحمة الله عام 1968، وفي نفس السنة التي حصلت فيها على جائزة الدولة التقديرية، ولقد ظللت أعيش معها في منزلنا حتى تزوجت عام 1954، وجاءت شقيقة لي مات زوجها لتعيش مع أمي.

وظلت والدة نجيب محفوظ حتى حدود التسعين من عمرها تزور الحسين بشكل يومي، إذ كانت تتمتع بصحة جيدة، ولم تضطر للذهاب إلى طبيب في يوم ما، أو اشتكت من مرض ما، باستثناء العام الأخير من حياتها حيث رقدت في سريرها بسبب عجزها عن الحركة تماما، وكان لوفاتها تأثير كبير على حياته، فقد نشأ كأنه وحيد أبويه، فكل إخوته تركوا المنزل بعد زواجهم، وبقى وحده، إذ كان أصغر الأبناء وكان فارق السن بينه وبين أخيه الذي يكبره مباشرة حوالي 10 سنوات، وكانت والدته تخشى عليه من المنطقة التي كان يسكنون بها، وكشف عن سبب ذلك قائلا: كانت المنطقة التي عشنا فيها في الجمالية أشبه بـ "بيت جحا"، شوارعها ضيقة ومعقدة، ولذلك كانت والدتي تخشى على بقائي في البيت خشية أن تفقدني، فقد كان مألوفا في ذلك الوقت أن تسمع صوت المنادى يبحث عن طفل تائه، ونظرا لأن والدتي كانت من هواة تربية الطيور فقد تحول سطح البيت إلى عالم للحيوان، وكنت أفرح بهذه الطيور وأمضي أمتع الأوقات على السطح مع الكتاكيت والأرانب والدجاج، وأحيانا كانت أمي تسمح لي باللعب أمام البيت مع أولاد الجيران، ولما زادت شقاوتي بعض الشيء اصطنع والدي معي الحزم، وبعد أن دللني حتى سن معينة، بدأ في سياسة الشدة، وأخيرا تخلص مني بأن أرسلنى إلى "الكتاب"، صحيح أنني كنت صغير السن ولا أفهم شيئا، ولكن أهل البيت ارتاحوا مني، وعلى ذلك أستطيع القول بإنني عشت طفولة سعيدة لولا بعض المنغصات مثل "الكتاب" والحزم وسياسة الشدة.

إحسان عبد القدوس

"فأنا ليس لي حياة كاملة إلا مع أمي" هذا ما قاله الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس في رثاء والدته فاطمة اليوسف، فإحسان برز فى 3 مجالات في وقت واحد، فقد كان كاتب قصة وصحفي وكاتب سياسي، وكانت الكتابة السياسية قبلة تقليدية جدا حتى جاء هو ليغير ذلك، وهو من اهتم بقضية المرأة ويرجع ذلك لنشأته في بيئتين وثقافتين مختلفين، وهما الثقافة المحافظة التقليدية في منزل جده والمتحررة في منزل والدته، حيث كان إحسان يرى أمه كـ"معجزة" فقد كانت لبنانية الأصل وجاءت مصر بدون أقارب واستطاعت الصمود والنجاح.

وكانت والدة عبد القدوس لها دورًا أيضًا في حياته وفضلًا رغم أنه لم يعش معها منذ الصغر حيث كان يتنقل بين منزلها وعائلة والده، وعبر إحسان عن مدى حبه لروزا في مذاكراته التي كتبها بعد رحيلها، وكانت مليئة بالحزن، وكان جزءا مما قاله عنها هو: "حينما علمت بموتها انفرجت شفتاي دون أن أدري وخرجت منهما صرخة، فأنا ليس لي حياة كاملة إلا مع أمي"، وعبر أيضا عن علاقته بوالدته في مقدمة كتابها ذكريات التي طلبت منه أن يكمله يوما، فكتب إن والدتي السيدة فاطمة اليوسف لم تحدثنا في هذه الذكريات عن المشكلة الكبرى التي استطاعت وحدها أن تحلها، والتي لا يزال المجتمع المصري كله حائرًا أمامها: كيف استطاعت أن تجمع بين جهادها الشاق المضني الذي بدأته وهي في السابعة عشر من عمرها.. وبين واجبها كزوجة وكأم؟!

ولا أدري كيف استطاعت أن تحملني تسعة شهور، وهي واقفة على خشبة المسرح تعتصر الفن من دمها وأعصابها لتكون يومها أعظم ممثلة في الشرق، ولا أدري كيف استطاعت أن تطرد عنى الموت الذي طاف بي مرات خلال طفولتي وصباي، في حين أنها كانت دائمًا بعيدة عني تسعى في طريق مجدها، ولا أدرى كيف استطاعت أن تنشئني هذه النشأة وأن تغرس في هذه المبادئ وهذا العناد وأن تقودني كطفل وكشاب في مدارج النجاح وفى حين أنى لم ألتق بها أبدا، إلا وفي رأسها مشروع وبين يديها عمل، وكيف استطاعت أن تجمع في شخصها كل هذا، ويعترف إحسان بأن والدته فاطمة اليوسف هي من صنعته كما صنعت مجدها.

أنيس منصور

أما الكاتب الكبير "أنيس منصور" فكانت تربطه علاقة وطيدة بوالدته، فقد كان مرتبطا بأمه كثيرا لأنهم نشئوا في عزلة لا يعرف لا رأي إلا لها ولا حكمة إلا عقلها، فهي التي تعرف كل شيء وتتنبأ بكل شيء، حيث إنه كان يعبر عن علاقته بوالدته قائلا: "العلاقة التي تربطني بأمي غريبة فهي تحبني بطريقة مختلفة عن حبي لها، كل ما يهم أمي وكل ما يهمني لا تعرف أمي عنه أي شيء فهي لا تعرف ماذا أعمل ولا ماذا يقلقني أو يخيفني، إذا كنت مريضا فإنني لا أفتح فمي وأقول (آه) وإذا كان المرض شديدا فإنني اختلق أي قصة وأهرب من البيت وأنزل في أحد الفنادق فأمي لا تتصور أبدا أنني من الممكن أن أمرض أو أتعب أو أتعذب، إنها تحزن في عجز، كل ما تملكه أمي هو بضع ملايين من الدموع ومثلها من الدعوات، وأنا أحمد الله أن أمي لا تعرف عني شيئا ولا تعرف ما يصيبني في جسمي أو نفسي وإلا لكانت كارثة علي أنا فكل ما يصيب أمي يصيبني بعدها بلحظات، إنني أبالغ في متاعبها وهي أيضا ترى متاعبها ضئيلة جدا لكني أراها خطيرة، لكن حب أمي يعذبني جدا.. إنها سلبتني أعز ما أملك.. سلبتني حريتي".

فاروق الباز

بينما يفخر العالم الكبير فاروق الباز دائما بوالدته التي ربت ٦ رجال و٣ نساء كلهم أبلوا بلاء حسنًا في سبيل الوطن، ففاروق الباز من محافظة الشرقية بدلتا مصر لم تكن رحلته نحو الفضاء ممهدة، لكن بقدر الصعاب كان الأمل والتحدي الذي جعله اليوم واحدًا من أبرز علماء العالم يشار له بالبنان وتكرمه وكالة ناسا بإطلاق اسمه على كويكب صغير اكتشف العام الماضي، فكانت أمه رغم بساطتها عونًا له في اتخاذ قراراته المصيرية؛ حيث كانت تمتلك ذكاء فطريًا حسب وصف العالم المصري دومًا، حيث إن والده كان مهذبا جدا ويحترم كل الناس والذي ساعده في ذلك والدته بسبب أنها كانت لديها خبرة كبيرة في التعامل مع الناس لكنها لم تكن تعرف تقرأ أو تكتب، وكان يحكي عن موقف في حياته لا ينساه قائلا: "في يوم بعد عودتي من المدرسة في الصف الأول الثانوي، وجدت والدي ووالدتي في حديقة المنزل جالسين ووالدي يعلم والدتي القراءة والكتابة من البداية" وعن سؤاله لوالدته: لماذا لم تكمل تعليمها في الصغر؟؛ أجابت: "عندما كنت في المرحلة الابتدائية كنت متفوقة وأخوي كان معاي في  الفصل، وكان المعلم يقول له أختك الصغيرة تجاوب وأنت لا، فقال أخى هذا الحوار لوالدى فمنعى والدى من الذهاب إلى  المدرسة لأن أخي سيكون العمدة وهو من يجب أن يتعلم"، لذلك كانت والدته محل فخر وتقدير وتأثير في حياته وأخواته حينما سعت لأن تكون حياة أبنائها جميعا هي الأفضل دائما

المصدر: الملف إعداد : سمر عيد -منار السيد - أميرة إسماعيل - سماح موسى- هايدى زكى
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 85 مشاهدة
نشرت فى 25 مارس 2021 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,515,608

رئيس مجلس الإدارة:

أحمد عمر


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز