
هدى اسماعيل
على مدار قرون استهل المصريون الاحتفال بشهر رمضان الكريم بالزينة والفوانيس، والتي
تعد من بين العادات التي لم تتغير رغم مظاهر التطور والحداثة، وذلك بدءا من الاحتفال بليلة رؤية هلال شهر رمضان، والتي تمثل تقليدا متوارثا منذ عهد العباسيين، مرورا بالعصر الفاطمي، ثم المملوكي، حيث كانت تضاء الأنوار على الماذن والمحال، ويخرج قاضي القضاة في موكب بهيج، محملا بالفوانيس للإعلان عن رؤية الهلال، وهي عادة استمرت كذلك في عهد محمد على، وصولا للقرن العشرين، بمشاركة طوائف الشعب للإعلان عن بدء شهر رمضان المبارك.
أكثر ما كان يميز ليالي رمضان هو مدفع الإفطار في العصر المملوكي، وكانت مصر أول من استخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذانا بالإفطار في شهر رمضان، والأصله حكايات عديدة منها الصدفة، ففى أول يوم رمضان عام 859هـ / 1455م كان والي مصر في هذه الفترة الوالى المملوكى «خوش قدم» قد تلقى مدفع هدية من صاحب مصنع ألماني فأمر بتجربته وتصادف ذلك الوقت مع غروب الشمس، فظن سكان القاهرة إن ذلك إيذانا لهم بالإفطار، وفي اليوم التالى توجه مشايخ الحارات والطوائف إلى بيت الوالى لشكره على هديته لسكان القاهرة، فلما عرف الوالي الحكاية أعجب بذلك وأمر بإطلاق المدفع عند غروب الشمس في كل يوم من من أيام رمضان، واستمر هذا الأمر إلى يومنا هذا. وقيل أن والي مصر محمد علي الكبير كان
قد اشترى عددا كبيرا من المدافع الحربية الحديثة، وفي يوم من الأيام الرمضانية كانت تجرى الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة فانطلق صوت المدفع مدويا في نفس لحظة غروب الشمس وأذان المغرب من فوق القلعة، فتصور الصائمون أن هذا تقليدا جديدا واعتادوا عليه وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور، فوافق، وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميا إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام. مدفعان
يذكر الرحالة الإيرلندي ريتشارد بيرتون (1891-1821) أنه كان هناك مدفعان في القاهرة أثناء رحلته إليها، أحدهما في القلعة والآخر في العباسية، ذكرها في مذكرات رحلته المنشورة بعنوان «رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز» قائلا: بعد نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين بوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور وهو بمثابة إفطار مبكر، وبمجرد سماع المدفع يوقظني خادمي إذا كنت نائما ويضع أمامي بقايا وجبة المساء «الإفطار».
ويضيف: أظل أدخن بوهن وضعف كما لو كنت أودع صديقا حميما حتى ينطلق المدفع الثاني في حوالي الساعة الثانية والنصف معلنا الإمساك، ثم انتظر أذان صلاة الفجر الذي يرفع في شهر رمضان مبكرا شيئا ما عن المعتاد ويبدو من مشاهدات بيرتون أن العادة كانت في الإمساك تقضي بإطلاق المدفع مرتين وليس مرة واحدة.
ويواصل بيرتون مشاهداته تبدو القاهرة عند اقتراب موعد موعد أذان المغرب (ساعة الإفطار، وما أبطأ حلوله، وكأنها أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا اقتراب ساعة الإفطار، وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبحون بينما آخرون يتجمعون في جماعات أو يتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين موعد الإفطار يا للسعادة أخيرا انطلق مدفع الإفطار من القلعة، وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيا الناس إلى أداء الصلاة، وينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية نسبة لعباس باشا الأول» ويصيح الناس «الإفطار الإفطار وتعم همهمة الفرح في أنحاء القاهرة الصامتة. 6 مدافع
يذكر العلامة علي الجندي في موسوعته قرة العين في رمضان والعيدين»، الصادرة عام 1969، أن القاهرة تملك ستة مدافع، اثنان في القلعة، وثلاثة في العباسية، وواحد في مصر الجديدة، وكانت المدافع تخرج مع صباحأول يوم في رمضان في سيارات المطافي وهي ألمانية الصنع.
عيد المصابيحبخصوص فانوس رمضان نجد أن هناك عيد كان يسمى «عيد المصابيح» في مصر القديمة وكان ذلك في شهر كيهك) بالتقويم القبطي، ويقابله ) كا - ها - كا) بالتقويم المصري القديم من 10 ديسمبر إلى 8 يناير، وأطلق واد علية هذا الاسم حيث توقد المصابيح المسارج - الفوانيس .. وجميعها بذات المعنى) ليلا أمام المنازل ومعبد الإله أوزوريس في «صان إلى الحجر عاصمة مصر آنذاك، وموقعها حاليا الس المصرية المدينة بمركز بسيون محافظة الغربية، وفي إسنا ونقش بمعبد إسنا ثم امتد إلى كل المدن المصرية، وفي احتفال الأطفال الآن برمضان نجدهم يحملون الفوانيس مرددين عبارة وحوى يا وحوي إياحة وهم يحملونها مضاءة ليلا، وتعد كلمة «إياحة» هي دمجا لكلمتين وهما (إعح - حا والأولى بمعنى قمر، مثل كلمة أحمس وتنطق إعح - مس) بمعنى وليد القمر.
وجاء ذلك تفسيرا للجملة الأولي وحوى يا وحوي واصلها واح اي - واح اي)، وكلمة واحمعناها يهنا أو يطمئن واى) ضمير مقطع مضاف ليكون المعنى كاملا إطمئن إطمئن القمر يمشي)، لأنهم كانوا ينظرون إلى القمر وهو المصباح الأكبر ليلا حاملين المصابيحالصغيرة فيلاحظون مسيرته في السماء وذلك طبقا لدراسة أثرية للباحث الأثرى محمد احمد ناصر بوزارة السياحة والآثار.
القراصيا
تأتي القراصيا في مقدمة الأطعمة على موائد رمضان، وللقراصيا قصة لا تتكرر كثيرا فعنها يقال إن يعقوب بن كلس عندما كان وزير الخليفة الفاطمي العزيز بالله أنه دخل عليه قال العزيز: إني أشتهي القراصيا وهذا موسمها ذات مرة فرأه مهموما فلما سأله عن السبب في دمشق فخرج ابن كلس وأرسل رسالة بالحمام الزاجل إلى الوالي هناك يطلب منه إرسال القراصيا على أجنحة الحمام الزاجل فجعل فى جناح كل حمامة حبة من القراصيا وكان الحمام بالمئات فلم تمضى ثلاثة أيام على حديث العزيز حتى وصل الحمام، فجمع الوزير القراصيا فى طبق من ذهب وقدمه إلى الخليفة العزيز، فسر بذلك وقال له: مثلك من يخدم الملوك.
وفي عام 380ه توفى ابن كلس، وكانت آخر كلماته في حشرجة الموت «لا يغلب الله غالب» وكفنه العزيز في خمسين ثوبا منها ثلاثون مسرجة بالذهب والحده بنفسه، وأقام المأتم على قبره ثلاثين يوما يقرأ فيها القرآن، وكان عليه ستة عشر ألف دينار سددها عنه العزيز للدائنين على قبره، وقد تسببت القراصيا في تكريم يعقوب بن كلس حيا وبعد وفاته.



ساحة النقاش