هذا الأسبوع تلقينا فى «حواء » دعوة كريمة من الفنان والمخرج المبدع خالد جلال رئيس قطاع شؤون الإنتاج الثقافى والمشرف علي مسرح مركز الإبداع الفنى، والذى حرك المياه الراكدة فى بحيرة المسرح التى كانت قد أوشكت على التوقف والركود وملل المسرح التجارى الاستهلاكي، لمشاهدة أحدث عروضه المسرحية «سينما مصر » والاحتفال بتخريج الدفعة الثانية قسم تمثيل من مركز الإبداع الذى يقوده باقتدار.. يلفت الانتباه جملة جاءت سريعة وعابرة فى النص، ولكنها تلخص الرسالة التى بثها لنا صاحب النص ومخرجه، تقول العبارة  الرسالة  «وتعيشى يا ضحكة مصر »؛ فمن أجل إسعادنا كانت السينما المصرية، التى تمنحنا سعادة وبهجة لا تنقطع جيلا بعد جيل، ومن أجل إسعاد الجمهور المصرى يأتى هذا العرض.. ولكن ماذا يريد «سينما مصر » أن يقول؟! إنها حكاية تستحق أن تروى..

جاء خالد جلال بمدرسة فنية قائمة بذاتها، فلسفتها أن الحل الأمثل لأزماتنا السلوكية والأخلاقية تكمن في تضافر جهود الفن والإعلام للارتقاء بالذوق العام والنهوض بالمجتمع سلوكا وعملا، وكان خالد ثاقب النظر عندما نبه إلى خطورة العمل كجزر منعزلة؛ فالفن الراقي لا يظهر للنور دون إعلام، وعلى الفن والإعلام تثقيف الشباب، وتوعيتهم بالتمسك بالقيم الأخلاقية الصحيحة؛ حتى فاز خالد جلال بمساندة قوية من الجمهور والإعلام فكسب كل جولاته!

تزامن ذلك مع مدرسة موازية، واضحة وراسخة في فن المسرح وهو ملعبه الأساسي؛ حتى أن عرضه الأول "قهوة سادة" أنار مسرح الإبداع (385) ليلة عرض متواصلة بنجاح ساحق، معتمدا ـ كعادته ـ على شباب موهوب، عاشق للفن، أشرف هو على تدريبه وثقل موهبته.

تلقينا الدعوة الكريمة وفي ذهننا كيف نشارك في المعركة التي يخوضها هذا المبدع، من أجل تقديم فن نظيف، وجمهور واع، متفائل، مشارك في معركة النهوض بوطنه، اعتبرنا أن الدعوة ليست لمجرد المشاهدة والاستمتاع بأحدث عرض مسرحي أطلقه في سماء المسرح المصري المبدد بالغيوم وعدم وضوح الرؤية، ولكننا ـ بإيمان قوي بالفن ودوره ـ أردنا أن نشارك، وأن نساعد هذه الدفعة من الموهوبين، وأن تتشابك أيادينا افي أن نحرك المياه الساكنة وأن نساعد الوطن بسلاح الفن، تماما كما فعل منذ عرضه الأول "قهوة سادة" التي قدمها لأول مرة عام 2009، والتي احتفى بها النقاد كما لم يفعلوا مع مبدع آخر، ربما منذ العرض المسرحي الاستثنائي "أهلا يا بكوات" للمخرج المبدع عصام السيد، وعروض أخرى قليلة لا تتعدى أصابع اليد، ثم عرض خالد جلال "سلم نفسك" ثم "الزائر" والعرضين حضرهما رئيس الدولة الزعيم عبد الفتاح السيسي في واقعة نادرة الحدوث تعلن عن بدء مرحلة جديدة جناحيها الدولة والفن، في إشارة لا تخطئها العين لدعم الدولة للفن النظيف، الهادف، وكنت شاهدا على الإقبال الجماهيري الكثيف على عروض مركز الإبداع ـ أو الإشعاع كما أحب أن أطلق عليه ـ وهو ما نفتقده حاليا في العروض المسرحية بما فيها التجارية بما تحتويه من بهارات جنسية فاسدة؛ أما في عروض خالد جلال فمن المستحيل أن تجد إيماءة أو عبارة أو حركة خليعة واحدة وهو أحد أسباب عودة الأسرة المصرية بكاملها إلى قاعة المسرح وإن كان في المقدمة منها الشباب وهو ما يعد فأل حسن، فمن المثير للانتباه أن تجد أكثر من نصف مقاعد المسرح يشغلها الشباب؛ بما ينفي عنهم الإدعاء بأنهم يتحركون خلف غرائزهم، العرض الأحدث "سينما مصر"عرض طويل نسبيا، سوف يحتاج خالد جلال لاختزال بعض ما شاهده في حال تشريفه بزيارات رسمية على مستوى عال، وهو بدون فواصل، يتألف من أكثر من 40 مشهدا تغلب فيهم الديكور بما يشبه المعجزة على تنوع المشاهد وثرائها مستخدما مجموعة من المكعبات قامت بعشرات الأدوار من مقعد وأريكة وسرير ومنصة ومكتب...و...و، العرض يعد قفزة جديدة في تاريخ المسرح الحكومي وفي تاريخ خالد جلال نفسه، يتوافد عليه يوميا نجوم الفن والسياسة والمجتمع، تختلط فيه حالات  الشجن والسعادة والخوف على دنيانا التي أفسدناها بذاكرة ضائعة، مشوشة، وأحيانا مغيبة بفعل فاعل أو بسوء نية.

يصرخ خالد جلال، وهو نجح أن يجعلنا نصرخ معه، صائحا في البرية "أفيقوا.. أفيقوا من غفلتكم ومن سباتكم العميق.. احفظوا تاريخكم.. احموا ذاكرتكم.. استعيدوا همتكم..".

رغم أن جلال استقبلنا في بهو المسرح بخدعة كبيرة، حيث صرح لنا قبل العرض، أنه طالما انتقد سلبيات المجتمع في عروضه السابقة، وها هو يتوقف عن هذا الفعل في عرضه "سينما مصر"؛ إلا أننا اكتشفنا في حضور نجومه الـ 67 الموهوبين بجد، المبشرين بصدق، المعجونين بماء النيل والفن، أن خالد جلال لا يزال يصرخ، لا يزال يحذر، لا يزال يبشر، يحذر من أن نفقد ذاكرتنا كما فقدتها "نادية" ـ فاتن حمامة في فيلم الليلة الأخيرة ـ فيتوه التاريخ من بين أصابعنا، أو أن يعمل الدهاة على تغييب عقولنا، ويستخدم جلال السينما مرادفا لماضينا وأخلاقنا وعاداتنا وهويتنا وقيمنا، من خلال مشاهد بديعة من 45 فيلما من أروع ما قدمته السينما المصرية، قدمه الشباب الواعد، الرائع، بمذاقهم الشخصي؛ وكان المخرج عبقريا بأنه لم يطلب من نجومه "التقليد أو المحاكاة" رغم التزامه بنصوص الحوار الأصلية، إلا في حالات قليلة، بديعة، لمن قدموا شخصيات: زينات صدقي، القصري، استيفان روستي، السادات، عبد الناصر وعدد من الشخصيات الأخرى، تمنيت أن تسمح المساحة بتحية كل موهبة شابة ـ ظهرت على المسرح أو كان عملها من الكواليس، ولكن هناك أسماء فرضت نفسها على الذاكرة: الشاعر الرصين عماد عبد المحسن وألحان منار الشاذلي، مصممو الأزياء، الإضاءة لخالد جلال التي منحتنا شعورا بالتفاؤل وسط أشد المشاهد قتامة، تصميم البامفلت مي عبد القادر، وبالطبع مساعدوا الإخراج الذين لا يعرف جهدهم إلا من اقترب من الكواليس، مونتاج المادة الفيلمية جاء دقيقا باللحظة، وتحية مضاعفة لمطربي العرض: أميرة رضا، حبيبة حاتم، منار الشاذلي، إيمان الشريف، فرح عناني، محمد عبده وأحمد الحسيني، والكثير من الشكر لدار الأوبرا المصرية بقيادة المبدع د. مجدي صابر، وصندوق التنمية الثقافية برئاسة د. فتحي عبد الوهاب على توفير الإمكانيات اللازمة لهذا العمل الضخم.

كل هذا في إطار من المشاهد السينمائية والغنائية الرائعة ـ والفكرة في حد ذاتها تحمل عناصر بهجتها، والتي تضج بالكوميديا التي ستجعلك تضحك ضحكا عاقلا لم تضحكه من قبل مع مشاهد سينمائية تبعث من جديد، جميع عناصر العمل من تمثيل وغناء وأزياء وحركة مسرحية وصلت إلى مرحلة شبه الكمال، وكم تمنيت أن تتسع المساحة لتحليلها وذكر جميع أبطالها سواء من نجوم الزمن الماضي أو الشباب الموهوب بحق، وتحليل عناصره ولكن يغفر لنا أن "جلال" عودنا على أن نتعرف على نجوم الغد من مسرحه، نطالب د. إيناس عبد الدايم أن تشمل العرض برعايتها وأن تجوب به محافظات مصر، كما طالبنا من قبل عرضها لمسرحية "الزائر" التي ناقشت فكرة جديرة بالدراسة

حول تأثير التكنولوجيا على حياتنا، في وقت أصبحت فيه وسائل التواصل أشبه بوسائل الانفصال الاجتماعي، كما أنها حالة من انعدام التواصل الأسري، بعد أن سبق وأن ناقش من قبل من خلال مسرحية (سلم نفسك) الشائعات وأثرها السلبي على المجتمع خاصة تلك التي تنتشر عبر السوشيال ميديا أيضا وتهدم المجتمع، بالإضافة إلى عرض (بعد الليل) الذي تعرض من خلاله لمشكلات وسلبيات مجتمعية..

سبق أن لفتنا الأنظار إلى أن المسرح المصري يتعرض لكبوة خانقة، فهو يعيش على بضع عروض تجارية هزيلة، وبقي فقط أن يقوم محبوه بدورهم وأن يكثف الإعلام من تغطياته من أجل عيون المسرح والوطن.

فتحية للمبدع خالد جلال وفريقه الفنى الواعد على هذا العمل فى حب مصر.

المصدر: كتب : طاهــر البهــي- تصوير : السيدعبدالقادر
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 199 مشاهدة
نشرت فى 1 أغسطس 2019 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,968,333

رئيس مجلس الإدارة:


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز