الثورة على الفساد من صلب الدين

 

كتبت :امل مبروك

أوضح الشيخ الشعراوي - رحمه الله - أن المدنيين قد يثورون من أجل إنهاء ما يرونه فساداً، ولابد أن يكون فساداً ملحوظاً، والثائر الآفة هو من يظل ثائرا، والثائر الحق هو الذى يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبنى الأمجاد، والثائر هو من يأتي ليرد مظالم الناس، وأنه لا يجيء ضد طائفة، إنما يجئ ضد ظلم طائفة.

- أفتى بعض الشيوخ بحرمة ما قام به الشباب من التظاهر أو الدعوة لإقالة رئيس الجمهورية، واعتبار الحديث عن فساد النظام المصري، ودعوة جماهير الأمة إلى رفض ظلمه واستبداده بمثابة دعوة صريحة لمواجهة ولاة الأمر الذين تجب لهم السمع والطاعة ، وهو أمر غير جائز شرعاً، بل قال بعضهم: إن فاعل ذلك يستحق المعاقبة.

سلوان طه اسماعيل- طبيبة أسنان

- يؤكد فضيلة د. أحمد عمر هاشم - عضو مجمع البحوث الاسلامية _ أن هناك أحاديث كثيرة، تدعو إلى الصبر على الإمام الجائر، وعدم الخروج بالسيف عليه، ولكنها تتيح للأمة أن تسعى في تغيير هذا الجائر بالوسائل المشروعة إذا لم يستجب للنصيحة، ولم يعدل عن المنكر الذي يأتيه، باعتبار الأمة هي مصدر الشرعية لحكمه، وهي صاحبة الحق الأصيل في بقائه أو رحيله.

ومن هذه الوسائل المشروعة ما يجري من انتخابات واستفتاءات، وما يتم من مظاهرات وعصيان مدني سلمي ونحوها، ما دام ذلك كله يتم بعيدا عن العنف وحمل السلاح، فإن لم يستجب الظالم للنصح والإرشاد جاز للأمة أن تقوم بعملية الخلع والاستبعاد له من خلال الوسائل المشروعة التي ذكرناها من غير استخدام للعنف ولا حمل للسلاح، وهذا ما فعلته حركة الشباب المباركة المنصورة بإذن الله.

فإذا حملت طائفة من الناس السلاح وخرجوا على الناس وأرادوا الإفساد في الأرض جاز قتالهم وهم الذين يُسَمَّوْن (البغاة). . فهل يدخل في البغاة المعارضون السياسيون أو ما يعرف في هذه الأيام بأحزاب المعارضة وحركات الاحتجاج؟

يدرك من له أدنى إلمام بالشريعة ومقاصدها أنه لا يدخل في البغاة مَنْ يُسَمَّوْن بالمعارضين من الأفراد أو الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة لنظم الحكم، ولا من ينصح أو يوجه أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، سواء وافق الإمام على قيامه بذلك أو لم يوافق، فذلك من النصيحة الشرعية المأمور بها، وهي سبب من أسباب خيرية هذه الأمة، وليس لأحد كائناً من كان أن يمنع أحداً من التعبير عن رأيه، طالما لم يخرج بسيفه، وخصوصا إذا لم تكن كلمةُ الأمة مجتمعةً على هذا الحاكم.

بل لو أمر الإمامُ بمعصية فلا سمعَ له فيما أمر ولا طاعة، فلاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، ففي الصحيحين من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ ، وفي الصحيحين أيضا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.

فلا يجوز طاعتُهم إذا أمروا بتزوير الانتخابات، أو بضرب الناس أو تعذيبهم بغير سند من الشريعة والقانون، ولا يجوز تنفيذ أوامرهم بضرب المتظاهرين بالرصاص الحي أو المطاطي أو القنابل المسيلة للدموع، ونحو ذلك من المظالم التي قد يأمر بها الظلمة فينفذها الجنود بحجة السمع والطاعة لولي الأمر، دون التفات إلى قول الله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ .

بل أوجب الإسلام نصيحة الحاكم والمحكوم، واعتبر ذلك صلب الدين، ففي صحيح مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.

ولم يزل ذلك دأْبَ كثير من الصحابة والتابعين وأهل العلم على مرور الأيام وتعاقب الدول، إذ مارس كثير منهم هذا الواجب، فنصحوا الولاة والأمراء، وجهروا أمامهم بالحق، وعارضوهم في كثير مما أبرموا.

ولذلك فلا بأس من معارضة أولي الأمر بل يجب ذلك إذا أخطئوا، ويجب تنبيههم ونصحهم والإنكار عليهم فيما خالفوا فيه أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ضيعوا فيه مصلحة الأمة، أو قصروا في حماية الأوطان، أو بددوا ثروات الأمة، أو أساؤوا للناس، أو غير ذلك من المنكرات التي قد تدفعهم إليها الحمية لآرائهم والتعصب لوجهات نظرهم مع ثبوت خطئها وفسادها، والقيام بهذا الواجب هو لون من ألوان التعاون على البر والتقوى.

نعم ينبغي أن يتم ذلك من غير إهانة لهم أو تطاول عليهم أو خروج بالسيف عليهم أو احتشاد لقتالهم، ونعم الأفضل أن يكون ذلك سرًّا إذا كان الوصول إلى الحاكم الجائر ممكنا، وكان نصحه متيسرا، وكان قبوله للنصيحة مرجوّاً .. لكن لم يمنع الإسلام من إعلان هذه النصيحة متى كان الخطأ شائعا والضرر واقعا على العامة، بل أوجب الإسلام إعلان النصيحة والإنكار على الظالم إذا تجاوز حدود الشرع في تأديب المخطئين، ففي صحيح مسلم: عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ - يعني يعذبون بذلك- فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ - يعني تأخروا في دفعه أو ماطلوا في ذلك- فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا. على أن هشاما لم يكتف بهذا الإنكار العلني، بل ذهب إلى الأمير الذي فعل ذلك فنصحه فانتصح، وهذا كله كان يحصل حين كان الأئمة مستمسكين بأهداب الدين، وكانت الشريعة مطبقة، والأوطان محروسة، والحدود مرعية، وحقوق الناس مصونة، والفساد في الرؤوس مقصور على القصور، فكيف وقد صار الفساد منتشرا؟.

إن ما يفعله الشباب وغيرهم من الوطنيين المخلصين من مختلف طبقات الشعب وقواه السياسية وفئاته وأطيافه المختلفة من التظاهر السلمي المطالب بإزالة النظام الفاسد ورحيل الحاكم الجائر الظالم بأسلوب سلمي حضاري راق أقرته المواثيق الدولية والدساتير المحلية لهو من صميم ما تدعو إليه شريعة الإسلام التي جاءت بالعدل والرحمة ورعاية مصالح الأمة، وأوجبت التعاون على البر والتقوى، وحددت خيرية الأمة في قيامها بواجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبرت التصريح بالحق في وجه السلطان الجائر من أعظم ألوان الجهاد.

فلو تعدى السلطان الجائر متذرعا بمثل هذه الفتوى الرديئة فقتل هذا الناصح الصادق المخلص فإنه يكون سيد الشهداء، فقد أخرج أحمد وغيره عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلاَ إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.

ولم يزل أهل العلم يعظِّمون العلماء الناصحين الذين اشتهروا بالجرأة في وعظ الحكام والسلاطين، بل وُصِف العز بن عبد السلام بسلطان العلماء لمواقفه القوية الرائعة من أمراء المماليك الذين اضطروا للخضوع لما نادى به حين رأوا صدقه وجرأته ودعم جماهير الأمة له، ويروى عن أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه أنه قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا :عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ . وفي رواية: وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ.

بعد كل هذا وغيره: هل يجوز أن يقول السلبيون المتخاذلون لمن قام ينكر الظلم والتزوير والفساد والاستبداد بلسانه وقلمه، ويواجه الظالم بكلمة الحق، ويدعو الأمة إلى التعاون في القيام بهذا الواجب الشرعي: إنه خارج على الأمة، أو إنه يريد أن يشق صف الأمة؟ تالله إن هذا لهو الظلم المبين.

ولا يعني هذا إطلاقَ العَنان للناس ليسُبَّ بعضُهم بعضًا، أو ليتجرأَ العامَّة على أُولى الأمر، وتقتحمَ الجماهيرُ أعراضَ الحكام وأصحابَ السلطان، بل تتكفل الأحكامُ الشرعيةُ بردعِ كلِّ مَنْ يعتدي على أعراض الناس أو رميهم بالإثم والبهتان، ومن ثَمَّ شُرِع حدُّ القذفِ لصيانةِ الأعراض، وحمايةِ المجتمعِ من شيوع الفاحشة فيه، وإن كان دون القذف فيمكن تعزيزه بعقوبة مناسبة .

لكن غاية الأمر: أن السب أو الشتم - وإن كنا ننكره - لأي شخص _ فضلا عن الاعتراض على أفعاله والمعارضة لسياساته- لا يصح أن يكون سبباً لقتله أو تسليط البلطجية عليه على الإطلاق، سواء كان المعتدَى عليه من أشراف الناس أوسُوقتهم، رئيساً كان أو ملكاً أو زعيما أو شخصاً عادياً، ولا يصح أن تتضمن الدساتير والقوانين الحاكمة نصوصاً تلحق الزعماء بالأنبياء، وتجعل لذواتهم من التقديس ما لا يليق إلا بالله وحده.

 

المصدر: مجلة حواء- أمل مبروك

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,868,498

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز