قالت: أحدثك من الإسكندرية وأرجوك يا أمى ألا تعنفينى كما توقعت أمى التى قالت لى: إننى دبور زن على خراب عشه, وقالت أيضا: هذا بطر بالنعمة, وقالت: إنك يا أمى سوف تعتبرينى مجنونة ومخرفة لذا أرجو أن تتحملينى ولا تضيقى منى يا أمى! *** قالت: أحدثك من أحلى مكان بالإسكندرية وهو منطقة وابور المياه, ربما لم تسمعي باسم ذلك الحى الذى كان ولا يزال يسكنه أثرياء الإسكندرية, وسوف أدخل في الموضوع حتى لا أطيل عليك فأنا سيدة فى الثانية والثلاثين من عمرى, أكملت دراستى فى جامعة الإسكندرية العريقة فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وتخرجت ولم أعمل, فقد مررت بظروف صعبة إذ أصيب والدى الموظف الكبير بالإسكندرية بالفشل الكلوى المفاجئ وصرت أنا التى أذهب به إلى المستشفى لإجراء الغسيل الكلوى, وأنا التى أقود السيارة لتوصيله, والمكوث معه حتى يجرى الغسيل ويستريح ثم نعود إلى المنزل لكى أعطيه الدواء وأشرف على طعامه أنا ووالدتى, السيدة المحترمة المتدينة التى ربتنا على التدين والصلاة عقب الأذان مباشرة والصدق والحق, ونشأت أن وشقيقتى الوحيدة التى تصغرنى بعدة أعوام على هذه المبادئ وعلى الاحتشام والصوت الهادئ وعدم الانصياع لمغريات الحياة أو الإفراط فى طلب الكماليات! ووجدت أن اهتمامى بأبى المحترم البار الذى لم يأل جهداً فى سبيل تهيئة حياة مستقرة آمنة مستورة لعائلته، أهم من العمل ومال الدنيا كلها, وفى الواقع لم نكن فى احتياج مادى عاجل إذ أن لأبى وأمى دخلا بسيطا يساعدهما على الحياة إلى جانب معاش والدى! *** واستطردت إيناس.. آسفة.. لم أدخل فى لب الموضوع لأننى أردت أن أعطيك خلفية كاملة عن حياتى وأسرتى الطيبة المحترمة, وكانت شقيقتى إيمان لا تزال فى المدرسة الثانوية عندما رأى أبى أن يسافر للخارج للعلاج, وبالفعل سافر وقلوبنا جميعا معه وظل فى فرنسا شهراً كاملاً ثم عاد وقد فقد الكثير من وزنه ولم يجر له الأطباء أية جراحة, وأصيب بالاكتئاب وقلة الرغبة فى الطعام, ومرت الأيام يا سيدتى بعد عودة أبى وكنت أنا أيضا التى أتولى أمره من حيث الغسيل الكلوى والدواء, كما أسلفت وأيضا رعايته فى المنزل وطعامه ونظافته وراحته ونومه وكافة متطلبات حتى تسليته وقراءاته! ولم يمر العام حتى لاقى أبى وجه رب كريم وتركنا أنا وشقيقتى وأمى وحدنا نواجه الحياة الصعبة, وكان فراقه أليما وصادما لأسرته وكل من يعرفه! *** واستطردت إيناس.. كنت أرفض كل من يتقدمون للزواج منى لأننى أفضل رعاية أبى على كل المال والزواج وأى شىء آخر فى الدنيا, وقد حدث خلال فترة العزاء فى والدى أن زارتنا قريبة لأبى نعتبرها أكثر أقاربنا ثراء, ولاحظت أنها تتأملنى كثيراً, وقلت ربما لأنها لم ترانى منذ فترة طويلة, وجدتها تمتدح احتشامى وهدوئى وكما قالت جمالى الهادئ, وسألتنى عن شهادتى الجامعية ولماذا لم أعمل, وشرحت لها ظروف مرض أبى وظلت تدعو لى بالتوفيق وقالت بصوت مسموع: يا بخت اللى حتكونى من نصيبه! ومرت الأيام وبعد الأربعين بعدة أسابيع زارتنا قريبتنا الثرية ومعها شاب, وقالت لى عندما رحبت بها: الدكتور وسيم ابنى الوحيد جاء لكى يعزيكم لأنه كان مسافراً أيام الوفاة! ووجدته يتأملنى ويتنهد مرتاحاً ومبتسما وكأنه عاد من رحلة شاقة وقال لأمه: - الحمد لله.. الحمد لله.. ونظر إلى قائلا: إن رعايتك لوالدك فى مرضه ورفضك العمل والزواج دليل على إنك إنسانة جديرة بكل الاحترام! قلت له: إن هذا هو واجبى ولم أفعل سوى الواجب نحوه. ومرت عدة أسابيع ثم جاءت قريبتنا المحترمة بالغة الثراء لزيارتنا محملة بالهدايا والأطعمة المختلفة الغالية وقالت لأمى: لى رجاء عندكم وأرجو ألا ترفضوه.. إنه رجاء لا أكثر وكانت المفاجأة . الأسبوع القادم أكمل لك الحكاية!
المصدر: سكينة السادات
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 103 مشاهدة
نشرت فى 25 ديسمبر 2018 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

8,474,614

رئيس مجلس الإدارة:


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز