
أماني ربيع
لا تعد سنوات الجامعة مجرد مرحلة للحصول على شهادة أكاديمية تؤهل الطالب الفرصة عمل في المستقبل، ولكنها مساحة أوسع لاكتشاف الذات وبناء الشخصية واكتساب خبرات جديدة، فداخل الحرم الجامعي تتنوع التجارب بين اتحادات الطلاب والأسر الجامعية والأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والمبادرات التطوعية، ليجد الطالب نفسه أمام أدوار يلعبها تحتاج إلى الحوار والتعاون وتحمل المسئولية واتخاذ القرار .
وبينما يرى طلاب أن هذه المشاركة ساعدتهم على اكتساب مهارات وخبرات انعكست على حياتهم، يخشى آخرون أن تتحول كثرة الالتزامات إلى عبء يؤثر على التفوق الدراسي ليبقى التحدي الحقيقي في قدرة الطالب على تحقيق التوازن بين التفوق الأكاديمي وبناء شخصية تستعد للحياة العملية، من خلال هذه الأنشطة.
شارك طارق سعدى الطالب بكلية التجارة جامعة حلوان في أنشطة اتحاد الطلبة منذ عامه الأول، ولم يتوقع أن تترك هذه التجربة أثرا واضحا في شخصيته، ويقول: أول ما لاحظته هو تحسن قدرتي على التحدث أمام الآخرين والتعبير عن رأيي دون تردد، والعمل ضمن فريق من الزملاء والمشاركة في تنظيم فعاليات ومشروعات مختلفة ما جعلني أكثر قدرة على تحمل المسئولية والمشاركة في العمل الجماعي، رغم اني في البداية كنت اعتقد أن الأنشطة مجرد وقت نقضيه مع أصدقائنا، لكن مع الوقت اكتشفت أنها علمتني أشياء لم أتعلمها في المحاضرات التي تهتم بمتابعتها وحضورها من أجل تحقيق النجاح.
ويرى طارق أن مشاركته في الأنشطة لم تأت على حساب دراسته بل دفعته إلى تنظيم يومه بصورة أفضل، خاصة بعدما أدرك أن نجاحه في النشاط لا يمكن أن يكون على حساب المواد الدراسية.
من جانبها خاضت می مجدي، الطالبة بكلية الآداب جامعة القاهرة، تجربة مختلفة من خلال مشاركتها في عدد من الأنشطة التطوعية التي تنظم داخل الجامعة، وترى أن العمل التطوعي كان من أهم التجارب التي مرت بها خلال سنوات الجامعة.
وتقول مي جعلتني المشاركة في المبادرات المجتمعية التطوعية داخل الجامعة أكثر إحساسا بالآخرين وقدرة على العمل ضمن فريق واحد، كما ساعدتني على اكتشاف اهتماماتي ومهارات لم أكن أدرك وجودها لدي.
وتشير مي إلى أن مشاركتها في البداية كانت بدافع الفضول ورغبة في خوض تجربة جديدة. لكنها مع الوقت أصبحت تحرص على تخصيص جزء من وقتها للأنشطة التطوعية، ولم تكن الموازنة بين الدراسة والنشاط سهلة دائما، خاصة خلال فترات الامتحانات، لكنها تعلمت كما تقول أن تحدد أولوياتها وتختار الوقت المناسب للمشاركة دون أن تتأثر دراستها. صداقات تمتد إلى ما بعد الجامعة
بدأت سارة خلف خريجة كلية الألسن جامعة عين شمس علاقتها باتحاد الطلاب والأسر الجامعية بعدما لمست منذ يومها الأول في الجامعة مقدار تعاون أعضائها وحرصهم على مساعدة الطلاب الجدد والتيسير عليهم في التأقلم مع الحياة الجامعية.
وتقول انضمامي لأنشطة الاتحاد ساعدني في تكوين صداقات امتدت معى إلى ما بعد التخرج وساعدتنى على المشاركة في تنظيم الفعاليات والمسابقات والأنشطة المختلفة. والتي لا تمنح الطالب فرصة للمشاركة فقط وإنما تفتح أمامه دائرة أوسع من العلاقات. وتجمعه بزملاء مختلفين في الاهتمامات والتخصصات والتجارب.
ويتفق معها عمر السيد خريج كلية هندسة جامعة حلوان الذي يرى أن مشاركته في أنشطة اتحاد الطلاب ساعدته على التعرف إلى أشخاص من كليات وفرق دراسية مختلفة، وهو ما وسع دائرة علاقاته وجعله أكثر قدرة على التعاون مع الآخرين وتقبل اختلاف وجهات النظر.
ويقول عمر إن أكثر ما استفاد منه هو تعلم العمل الجماعي، وهي مهارة مهمة في ن ال الحياة العملية، موضحا أن هذه الخبرة ساعدته بعد الجامعة في مجال العمل، مؤكدا أن نجاح أي نشاط لا يعتمد على شخص واحد، وإنما على قدرة مجموعة من الأشخاص على توزيع الأدوار والتعاون للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.
النجاح الدراسي
رغم الفوائد التي يتحدث عنها الطلاب، يظل
هناك سؤال أساسى يفرض نفسه: هل يمكن أن تؤثر كثرة المشاركة في الأنشطة على التحصيل الدراسي؟
يرى أحمد ماجد الطالب بكلية طب جامعة المنيا، أن الإجابة تختلف من طالب إلى آخر. فهناك من يستطيع تحقيق التوازن بين الدراسة والنشاط، بينما قد يجد آخر نفسه منشغلا بالفعاليات والاجتماعات على حساب المذاكرة.. ويقول: إن المشكلة لا تكمن في النشاط ذاته وإنما في طريقة إدارة الطالب لوقته ومدى قدرته على تحديد أولوياته خاصة خلال فترات الامتحانات، مشيرا إلى أن كثيرا من أعضاء اتحاد الطلاب يدرسون في كليات عملية تحتاج إلى دراسة مكثفة، ومع ذلك ينجحون في الجمع الله بين الدراسة والمشاركة في الأعمال التطوعية والخدمية داخل الجامعة.
النشاط وبناء الشخصية
حول دور هذه الأنشطة في بناء شخصية الطالب وأهميتها بالنسبة له، يرى د. أمجد مصيلحي، أستاذ علم الاجتماع، أن الجامعة ليست مؤسسة تعليمية بالمعنى الأكاديمي فقط، وإنما مساحة لتكوين شخصية الطالب واعداده للحياة الاجتماعية والمهنية ويقول: إن مشاركة الشباب في الأنشطة المختلفة داخل الجامعة تتيح لهم ممارسة أدوار اجتماعية حقيقية، فالطالب يتعلم كيف يتواصل مع الآخرين، وكيف يعمل داخل فريق، وكيف يتحمل مسئولية قرار أو مهمة، كما يتعامل مع الاختلاف ويواجه المنافسة ويختبر مشاعر النجاح والفشل.
ويرى مصيلحي أن النشاط الطلابي يمكن أن يكون وسيلة مهمة لتعزيز الثقة بالنفس والشعور بالانتماء، خاصة عندما يشعر الطالب بأن له دورا حقيقيا داخل مجتمعه الجامعي مشددا على ضرورة ألا يتحول النشاط إلى هدف يستحوذ على حياة الطالب بالكامل، مؤكدا أن
التوازن هو الأساس، وأن المشاركة الناجحة هي التي تضيف إلى شخصية الطالب دون أن تعوق
مساره الأكاديمي. مهارات حياتية
يشارك الخبير التربوي د. مجدي السيد الرؤية نفسها، موضحا أن الاعتقاد بأن التفوق الدراسي يتطلب الابتعاد عن جميع الأنشطة الجامعية يحتاج إلى إعادة نظر من الشاب والفتاة، فالطالب لا يتعلم داخل قاعة المحاضرات فقط.
ويقول: إن بعض المهارات التي يحتاج إليها الطالب بعد التخرج، مثل التواصل والعمل الجماعي والقيادة وإدارة الوقت وحل المشكلات. . يمكن أن تتطور بصورة كبيرة من خلال المشاركة في الأنشطة المختلفة داخل الجامعة والمشكلة تظهر عندما لا يمتلك الطالب خطة واضحة لإدارة وقته، أو عندما تصبح المشاركة في النشاط على حساب حضور المحاضرات أو الاستعداد للامتحانات.
وينصح الخبير التربوي الطلاب بوضع جدول أسبوعي يحدد أوقات الدراسة والراحة والنشاط مع تخفيف الالتزامات خلال فترات الامتحانات والمراجعة، مؤكدا أن النشاط الجامعي يجب أن يكون داعما للمسيرة التعليمية وليس منافسا لها



ساحة النقاش