أكثر ما أستوقف نظرى عند نزولى بأرض غانا أمور تستحق الذكر: أولها النظافة العامة الواضحة، فالمنازل و الاكواخ سواء بالريف أو الحضر بيضاء ناصعة ليست بها بقعة واحدة..و الشوارع الصغير منها و الكبير لا تجد بها أتربة أو أوراقا أو فضلات ولا حتى أعقاب السجائر ،و على ناصية كل شارع منها توجد سلة للمهملات،و بنظرة واحدة الى محتويات هذه السلة نستطيع أن نطمئن تمام الاطمئنان الى اقبال الناس على أستعمالها احتراما لنظافة بلادهم.

    و هذه الظاهرة الطبية تبدو فى أهل غانا أنفسهم، فأينما ذهبت حتى فى القرى الواقعة فى قلب الغابات بعيدا عن العمران،و جدت الفقراء كالاغنياء غاية فى النظافة، فالاطفال الصغار الذين يجوبون الطرقات طول النهار للتسول أو لبيع الفواكه الشعبية يرتدون دائما ثيابا غاية فى التقشف و التواضع،و لكنها أيضا غاية فى النظافة..و لم أر بين هذه الطائفة التى تمثل أدنى طبقات الشعب من حيث الوضع الاقتصادى، صبيا واحدا أو فتاة واحدة يحط الذباب على وجهه أو يفسد الصديد شكل عينيه.. فالجميع يحرصون على نظافتهم من تلقاء أنفسهم و بدون أى توجيه مما يدل على أن النظافة طابع متأصل فى حياة أهل تلك البلاد...

رقة..و سماحة
    و النظافة فى غانا تقترن باللطف و الظرف و الوداعة فالناس هناك دائما هادئون مهذبون مجاملون،و لم أسمع طوال إقامتى هناك التى أمتدت الى أكثر من أسبوعين صياحا أو عراكا أو سبابا، أو أى ظاهرة أخرى للحدة و الانفعال، بالرغم من أن الحرارة كانت أكثر من خمسين درجة فى الظل مع رطوبة تبلغ نسبتها مائة فى المائة..و لقد كنت أتصور أن مثل هذا الجو الرهيب كفيل باثارة أعصاب الناس،و دفعهم الى حدة و الانفعال،و لكنى وجدت الامر يختلف كل الاختلاف فالسماحة و اللين و التساهل أبرز ظاهرة فى الاخلاق...و تفسير ذلك أن الشعب الغانى مشهور بدمائته و حسن معاشرته للاخرين،و الفارق بينه و بين الشعوب المجاورة ضخم فى هذه المسألة بالذات،و لقد أكد كثير من المهاجرين الذين قضوا معظم حياتهم بالمناطق الاستوائية، أنهم على طول خبرتهم بمختلف سكان الدول الافريقية، لم يروا مثيلا للغانيين فى رقة طباعهم و شفافية نفوسهم..و قد لمست ذلك بوضوح فى معاملاتى المختلفة،و رأيت كيف يحسن البائع معاملتك حتى لو أرهقته بالعمل و لم تشترى منه شيئا..و كيف يقف الطفل المتسول فى هدوء و أدب يهمس لك بالسؤال، فأن أعطيته، شكرك بأدب و وقار،و اذا لم تعطه انسحب فورا بلا الحاح.

مرح...و رقص
    و يشترك أهل غانا مع اخوانهم من أبناء الدول الاستوائية فى المرح و التفاؤل.. يأخذون الحياة ببساطة مدهشة،ولا يعكرون أمزجتهم بالقلق و الحزن.. يعبرون عن جميع أحاسيسهم بالرقص و الغناء و الشرب، اذا مات لهم عزيز يجتمعون حوله يرقصون و يحتسون الانخاب احتفالا بانتقاله الى العالم الآخر..و اذا تزوجوا أو رزقوا بمولود يفعلون ذات الشئ،و حتى فى الاحتفالات و المناسباتالوطنية يتجمعون بالالاف فى الساحات العامة ليستمعوا الى الخطب السياسية و هو يرقصون..و لقد مررت فى بعض الليالى بالكنائس القائمة بالمدن الكبرى و الصغرى، فوجدت المصلين و المصليات يرقصون بكل حماسة و انشراح..و أدهشنى أن يحدث ذلك فى بيوت الله، ثم علمت أن رجال الدين هناك يحترمون ميل الناس الى الرقص، فيسمحون لهم بممارسته بعد أوقات الصلاة، حتى لاينتابهم الشعور بأن الكنيسة تحرمهم من شئ..و ربما يكون لنا رأى آخر فى تسامح الكنيسة الى هذا الحد،و لكن يجب أن نتذكر أن الشعوب يختلف بعضها عن بعض،و لكل منها عاداته و تقاليده التى تحدد له الفواصل بين ما يجوز و مالا يجوز.. و الرقص هناك جزء لا يتجزأ من الحياة، بدليل أن الرئيس كوامى نكروما لا يتردد مطلقا عن الاشتراك مع الناس فى الرقص اذا دعا الى ذلك خلال أى خطاب سياسى أو أجتماعى وطنى....

    و فيما عدا الرقص يصعب علينا تحديد التقاليد المشتركة بين الناس فى غانا، ذلك أن أهل البلاد ينتمون الى قبائل مختلفة أهمها قبيلة (أكان) و (جا) و (أيوى) و (كوزا) و (داجرمبا)و (نزيما) و هذه القبيلة الاخيرة لها أهميتها الخاصة باعتبار أنها القبيلة التى ينتمى اليها الرئيس نكروما..

تقاليد الزواج
    و لكل قبيلة من هذه القبائل طباعها و تقاليدها و عاداتها و لغتها،و لهذا السبب نجد الزواج على أشكال، فأحيانا يتم بناء على الاتفاق الشفوى بين الوالدين..و أحيانا يكون بعقد مدنى يسجل فى المكاتب الحكومية الخاصة بذلك أو يتم فى الكنيسة حسب التقاليد المسيحية المعروفة.

    و الشباب فى الطبقات المتعلمة المتحضرة يتزوجون عن معرفة و حب مثل غيرهم من الناس فى البلاد الاخرى المتقدمة.

    أما فى القرى و القبائل فتقاليد الزواج تختلف،و العادة أن يستعرض الاهل فيما بينهم البنات الصالحات للزواج من أبنهم،و يدرسون كل حالة دراسة وافية، تدخل ضمنها الثروة و الجاه كذلك الصحة للاطمئنان على خلو الدم من الامراض المتوارثة،و عندما يستقر الاختيار على فتاة معينة، ينتقل الاهل الى مرحلة المفاوضة، حتى ينتهوا الى الشروط المرضية للطرفين، فيتم الارتباط بناء عليها..

    و تعدد الزوجات شائع بين أهل غانا يتساوى فى ذلك المسيحى و المسلم،و الكاثوليك كما ذكرت فى مقالى الماضى مسموح لهم بتعدد الزوجات الى سبع،و الدافع فى شيوع هذه الظاهرة اقتصادى بحت.. فالنساء فى غانا يشتغلن أضعاف ما يشتغل الرجال،و كثير من الازواج يلزمون البيت قانعين بما تأتيهم به زوجاتهم من أجور سخية و كلما أزداد عدد الزوجات يزداد الدخل بالتبعية، فيستطيع الرجل أن يستمتع بكل ما تصبو اليه نفسه من أسباب الرخاء.

    و اعتياد المرأة على العمل جيلا بعد جيل أسفر عن ظاهرتين على غاية من الاهمية، أولاها ثلاثة أرباع الثروة فى غانا أصبح ملكا للنساء،و ثانيتهما أن الذهن النسائى يفضل المرأن الاقتصادى المستمر برع فى تفهم أصول التجارة و قواعد البيع و الشراء، بشكل يصعب على الرجال منافسته..و لقد رأيت بعينى الاسواق على ضخامتها. الوطنى منها و غير الوطنى.. تكاد تقتصر على النساء،و لم أر رجلا واحدا يبيع فيما عدا بعض العمال بالمتاجر الكبرى المملوكة للحكومة و يفضل سيطرة المرأة على الحياة الاقتصادية بهذا الشكل الضخم، نجد بين أهم المنظمات الموجودة فى البلاد هيئة رسمية أسمها (نقابة بائعات الاسواق)و هذه ليس لها مثيل لدى الرجال،و العمل فيها يسير وفق قواعد و أصول وضعتها النساء فى ضوء خبرتهن الطويلة و أصبح لها من القوة ما للقواعد و الاصول التى تضعها أى نقابة رسمية فى بلد من البلاد.

    و لقد تطورت أوضاع المرأة الغانية بعد استقلال بلادها الى حد كبير،و أفادت النظم الاشتراكية فى تقرير مكانتها الاجتماعية،و أتاحت لها الفرص لاحتلال المكانة اللائقة بنصف الشعب..و أصبحت المرأة تنقذر منصب الوزارة،و تنجح فى المعارك الانتخابية البرلمانية، كما تشرف و ترأس هيئات لها خطورتها..و من النساء البارزات هناك لوتيسيا أوبنج رئيسة أكاديمية البحوث العلمية فى غانا.. و مسز أوكو رئيسة اتحاد الهوكى.. و دوسيا كيسيه رئيسه مكاتب التمريض، ثم مسز آنى جياجى القاضية بالمحاكم الغانية و مسز الحسن وزيرة الشئون الاجتماعية،و الدكتورة جروفت جونسون مديرة الاعمال الصحية.ز غير النائبات و الطبيبات و الموظفات بكافة المرافق الحكومية و الاهلية.

حريات جامحة
    أما من حيث الاتجاهات العامة، فيمكننا أن نقرر أن أهل غانا رجالا و نساء تخلصوا من جميع قيود الجنس و التزاماته المعترف بها فى بلادنا على الاقل،و أباحوا الصلات الجنسية لغير المتزوجين على نطاق أوسع من أن يتلاءم فى نظرى مع روح الاديان السماوية و النختلفة...و نستطيع أن تقرر أنهم فيما يختص بهذه الناحية قد فاقوا الدول الغربية المشهورة بحرياتها الجنسية..و المجتمع هناك لا يجد أدنى غضاضة فى أن تتزوج الفتاة بعد أن تكون قد انجبت طفلا أو طفلين أو أكثر.. بل لا يجد غضاضة فى أن تعيش المرأة على حريتها بدون قيود الزواج،و هذا فى رأيهم ليس انحلالا، انما قاعدة من قواعد الحياة يؤمن بها المتعلمون و غير المتعلمين،و الكبار و الصغار على حد سواء..

    و لقد جلست مع سيدة تحتل اجتماعيا ممتازا و سنها تزيد على الستين، فأدهشنى دفاعها الشديد عن هذه الحريات الجنسية التى يمارسها الناس فى بلادها،و لقد فهمت من كلامها أنها تعتبر التحفظ فى علاقات الرجال و النساء علامة للتخلف، بديل قولها لى و هى تبتسم بطريقة ذات معنى: (لقد كنا مثلكم فى قديم الزمن و سمعنا من أمهاتنا و جداتنا أعاجيب القصص عن القيود الخلقية التى كانت قائمة فى أيامهن،و لكن مجتمعنا تطور،و لم يعد يعترف بهذا المنطق القديم..و أنا شخصيا أستخدم فى بيتى فتاة فى الحادية عشرة من عمرها،و قد لاحظت أنها فى العالم الاخير قد أخذت تسرف فى الخروج مع الشبان، فاكتفيت بأن حذرتها من أنجاب الاطفال فى هذه السن المبكرة حتى لا يئثر ذلك على نموها..)

    و أعتقد أن الدول الافريقية التى مازالت فى باكورة تطورها تحتاج أولا و قبل كل شئ الى تنمية حياتها الاقتصادية و الثقافية،و اعادة بناء كيانها الوطنى السليم قبل التفرغ لحريات الجنس و التوسع فى أباحة العلاقات الجنسية تشبها بأقبح ما فى حياة الدول المتقدمة دون أجمله.

    و كل ما أرجوه من الله عزوجل أن يحفظ لنا وقارنا الخلقى،و يديم لنا القيم الشرقية الجميلة التى ميزت العالم العربى بطابع الفضيلة..و أعتقد أننا اذا استطعنا أن ننجح فى تحقيق أسباب القوة و المدنية مع ابقائنا على هذا الطابع المميز، فأننا نؤدى للنظم الانسانية أجل الخدمات و أعظمها فاعلية فى بناء المجتمعات السليمة.


المصدر: أمينة السعيد - مجلة حواء

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,728,883

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود