كتب : عادل دياب

إذا أردت شيئا بصدق فإن العالم كله سوف يتكاتف لمساعدتك في الوصول إلى ما تريد، تنطبق هذه المقولة تماما على حياة الدكتورة هيلانة سيداروس، أول طبيبة مصرية في العصر الحديث، وأول امرأة عربية تحصل على شهادة الطب والتوليد في الكلية الملكية البريطانية بلندن عام 1930 ولدت هيلانة في مدينة طنطا في 13 يناير 1904 ، واتفق والداها على منحها اسم القديسة الشهيرة هيلانة مؤسسة كنيسة القيامة، تيمنا بالاسم، وقد أصبحت هيلانة سيداروس بالفعل بمثابة قديسة في محراب العلم والطب وخدمة الناس على مدار حياتها الطويلة التي امتدت ل 94 عاما عامرة بالتعلم والعمل والكفاح وخدمة أهلها ووطنها.

المشكلة أن هيلانة ولدت ضعيفة البنية، الأمر الذي لم يمكنها من الالتحاق بالمدرسة في سن دخول المدارس، ولم تكن هذه المشكلة الوحيدة التي تعترض حياة الطفلة الصغيرة، فقد كان العصر كله يضع العقبات والعراقيل في وجه المرأة، إذ كانت النظرة لتعليم البنات سلبية للغاية، ولم يكن مسموح للفتاة التي تتعلم بأن تتجاوز الصف الثالث الابتدائي، وكانت المحظوظة التي تنال قدرا من التعليم لا يسمح لها إلا بالتدريس للفتيات.

هذه العقبات تلاشت بما يشبه المعجزة حين بلغت هيلانة سن الثامنة، كانت هيلانة في تلك السن تحلم بأن تصبح طبيبة تداوي المرضى وتخفف آلامهم، لكنها لم تكن تعرف كيف السبيل. لكن حدث في ذلك الوقت أن عقدت جمعية الوفيق القبطية اجتماعا تقرر فيه إنشاء مدرسة باسم كلية البنات، الهدف منها إعداد جيل جديد من الفتيات القبطيات يحصلن على تربية راقية تضعهن في مصاف الفتيات اللاتي يتعلمن في مدارس الإرساليات الأجنبية، وكانت هيلانة من أوائل الملتحقات بهذه الكلية لتعوض ما فاتها من التعليم.

أبدت هيلانة تفوقا كبيرا، فأرسلها والدها للالتحاق بالقسم الداخلي بمدرسة السنية للبنات بالقاهرة، لتلتحق بعد ذلك بكلية إعداد المعلمات، لكن مرة أخرى يتدخل القدر، ويتم ترشيحها للسفر في بعثة حكومية لدراسة الرياضيات في بريطانيا، من أجل أن تعود مدرسة للرياضيات، فرحت هيلانة بهذه الفرصة، رغم أنها لا تلبي طموحها ولا تحقق حلمها القديم بأن تصبح طبيبة، ورحبت أسرتها بالأمر لما لمسوه من نبوغ وتفوق ابنتهم في الرياضيات، ولأن نتيجة البعثة ستعكس مستقبلا أفضل للفتاة المجتهدة.

لكن الفتاة صدمت في إنجلترا حين علمت أن البعثة لن تمنحها إلا ما يعادل الشهادة الثانوية في مصر، فأرسلت خطابا للمستشار الثقافي بالسفارة المصرية في لندن تطب موافقته على عودتها إلى مصر لاستكمال دراستها بها، فلم يعد للبعثة معنى، لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجأة سارة وغير متوقعة. لقد حضر المستشار الثقافي إلى المدرسة في لندن، وقدم لها عرضا لدراسة الطب، لأن مستشفى كتشنر البريطانية تهدف لإنشاء مستشفى للمرضى من النساء فقط في مصر، على أن تتولى إدارتها طبيبات مصريات، ولهذا تقرر تدريب فريق من الطالبات المصريات بإنجلترا، وتم ترشيح هيلانة ضمن هذا الفريق لما عرف عن نبوغها وتفوقها.

رحبت الشابة بهذا العرض، وهي ترى أحلامها تتحقق ببساطة أمام عينيها، ورحبت أسرتها، وبعد أن اجتازت هيلانة الامتحان النهائي للمرحلة الثانوية بإنجلترا، التحقت بمدرسة لندن الطبية للنساء عام 1922 لم تجد هيلانة دراسة الطب سهلة كما حلمت بها، بل وجدتها تحتاج الكثير من الصبر و الجهد، وقالت بعد ذلك إنها لا تنصح أحدا بدراسة الطب إلا إذا كان يحب هذا المجال ولديه الصبر الكافي للعمل وبذل الجهد فيه، لكنها بعد فترة تجاوزت ذلك ونجحت في إنهاء الدراسة بتفوق عام 1929 وعادت إلى مصر عام 1930 وعمرها 25 عاما تحمل أول شهادة في الطب لمصرية وعربية في القرن العشرين، لتلتحق للعمل بمستشفى كيتشنر في القاهرة، وتحل محل الطبيبة الإنجليزية المقيمة بالمستشفى والتي عادت لبلدها إنجلترا.

بعد خمس سنوات أنهت د. هيلانة المدة الإلزامية لها للعمل بالمستشفى، لتفتح أول عيادة خاصة في باب اللوق بالقاهرة، في ذلك الوقت شجعها د. نجيب محفوظ، رائد علم أمراض النساء والتوليد في مصر، وطلب منها أن تعمل في مجال الجراحة والتوليد في المستشفى القبطي إلى جانب عملها في عيادتها الخاصة، وقد حققت د. هيلانة نجاحا كبيرا وسمعة ممتازة في مجالها، وبعد أن كان ذلك مستغربا، أصبح من المألوف في القاهرة أن يراها الناس تقود سيارتها الخاصة في منتصف الليل للتوجه إلى سيدة تحتاج إليها.

لم تقتصر اهتمامات د. هيلانة على الطب فقط، لأنها انشغلت طوال حياتها بوطنها ومجتمعها، ففي سن الخامسة عشرة من عمرها شاركت في ثورة 1919 وكانت تتردد على بيت زعيم الأمة سعد زغلول لتشارك في اجتماعات الحركة النسائية بقيادة السيدة صفية زغلول، كما انضمت لجمعية هدى شعراوي، وشاركت في مقاومة الاحتلال البريطاني وحملات مقاطعة البضائع الإنجليزية، وعندما بلغت السبعين من عمرها اعتزلت الطب وسخرت حياتها لخدمة المجتمع وانضمت للجمعية القبطية للأعمال الخيرية، حتى رحلت عن عالمنا في 15 أكتوبر 1998

المصدر: كتب : عادل دياب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 26 أغسطس 2021 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

13,469,583

رئيس مجلس الإدارة:

أحمد عمر


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز