بقلم : إقبال بركة

 

من أغرب القصص الواقعية قصة غرام الدكتور طه حسين وزوجته الفرنسية سوزان بريسو، شابان فى مقتبل العمر التقيا وسط قرقعة القنابل ودوى صفارات الإنذار فى الحرب العالمية الأولى التى نشبت في أوروبا واستمرت من 28 يوليو 1914 حتى 11 نوفمبر 1918 وشارك فيها أكثر من 70 مليون جندي،60 مليون منهم أوربيين، كانا ينتميان لتحالفين متعارضين، فبلادها فرنسا تتبع قوات الحلفاء (المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا والجمهورية الفرنسية الثالثة والإمبراطورية الروسية)، بينما بلاده، مصر، الخاضعة للدولة العثمانية وقتها، كانت مع  دول المركز (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية ومملكة بلغاريا)، ولد طه حسين عام 1889 فى قرية مغاغة التابعة للمنيا جنوب مصر، وولدت سوزان بريسو سنة ١٨٩٥م فى باريس، اختلفا فى كل شىء، فهو مصرى لا يجيد التحدث إلا بالعربية وهي فرنسية لم تفكر يوما فى تعلم اللغة العربية، وهو مسلم الديانة والتعليم وهي مسيحية كاثوليكية متدينة، وهو محروم من نعمة البصر وهي مبصرة، تسببت أحداث الحرب العالمية الأولى في تهجيرها مع عائلتها إلى مدينة «مونبلييه» في جنوب فرنسا، أما هو فجاء إلى نفس المدينة مبعوثا من الحكومة المصرية ليحصل على الدكتوراه فى الأدب، وقد أكرمهما الله بنعمة البصيرة فلم تقف كل تلك العوائق في طريق العاطفة الجياشة التي حملها كل منهما تجاه الآخر.

كانت البداية في مدينة «مونبيليه» الفرنسية، تحديدا فى يوم 12 مايو سنة ١٩١٥م بعد أن تعرفت سوزان على «طه حسين» الشاب المصري طالب الدراسات العليا كفيف البصر الذى  كان في حاجة لمن يقرأ له الكتب والمراجع الفرنسية التي تساعده على إتمام دراسته، وتطوعت سوزان للقيام بتلك المهمة التى ظلت تطلع بها حتى وفاته عام ١٩٧٣م، ورغم كل ما أحاط بهما من أهوال ومعارضة عائلة سوزان انتصر حبهما وتزوج الشابان بعد عامين فى 9 أغسطس 1917م، وأنجبا أمينة ومؤنس، كانت له النور الذي قاده وأضاء طريقه إلى النجاح والتفوق وإلى التميز والمناصب العليا، فحصل على الدكتوراه وعين أستاذا بالجامعة ثم عميدا لكلية الآداب جامعة القاهرة ثم وزيرا للمعارف "التربية والتعليم"، إنه الحب الصادق الذي يمتطى السحاب ويحلق في الأفق ويخلد أسماء العاشقين، كتب طه حسين إلى زوجته سوزان يقول: «بدونك أشعر أني أعمى حقا، أما وأنا معك، فإني أتوصل إلى الشعور بكل شيء، وإني أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي»، وبعد أن رحل هو عن العالم، كتبت هي تقول: «ذراعي لن تمسك بذراعك أبدا، ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق في اليأس، أريد عبر عيني المخضبتين بالدموع، حيث يقاس مدى الحب، وأمام الهاوية المظلمة، حيث يتأرجح كل شيء، أريد أن أرى تحت جفنيك اللذين بقيا محلقين، ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة، الباسلة، أريد أن أرى من جديد ابتسامتك الرائعة، واستمرت قصة حبهما لمدة 60 عاما، وبعد وفاته رفضت الزوجة المخلصة أن تغادر مصر حتى توفيت 1989 عن عمر يناهز 94 عاما، رغم توسلات ابنها مؤنس وابنتها أمينة اللذين يعيشان في فرنسا، والأهم من ذلك أنها سجلت قصتها معه فى كتاب يفيض بالمشاعر النبيلة والذكريات العطرة تحت عنوان "معك"، إنه الحب الحقيقى المعطر بالوفاء والذكريات الجميلة.

المصدر: بقلم : إقبال بركة
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 303 مشاهدة
نشرت فى 22 نوفمبر 2019 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

8,868,045

رئيس مجلس الإدارة:


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز
عيادات الدكتور عزالدين الوروارى للنساء و التوليد و العقم