ثورة عارمة

كتبت : ايمان العمري

غداً العيد كل عام ، ونحن ، والأمة الإسلامية بخير ... ليلة العيد معروفة للنساء أو بمعنى أصح معروف ما على النساء القيام به من تنظيف كامل للمنزل ، والذى غالباً ما يسبق ليلة العيد بيوم أو اثنين ، وخصوصا وأن هذا هو عيد الأضحى أى عيد العمل الشاق للنساء ، ولن استطرد كثيراً ، فقد بات الاستعداد للعيد منذ بداية الأسبوع السابق له ..

كنت قد حاولت الحصول على إجازة ، لكن كما هى العادة تعسف رئيسى فى العمل ، وأعطانى محاضرة كاملة فى عدم اتقان المرأة لعملها ، وإنها دائماً ما تتحجج بأعبائها الأسرية ، ولا تقوم بما عليها من واجبات، ومن الأفضل عودة المرأة للبيت ، وكما هى العادة أيضاً رسمت على وجهى ابتسامة بلهاء ، وتركته يهذى.

وكما هى العادة بحثت عن خادمة لتساعدنى لكن الطلب فى تلك الأيام "المفترجة" يفوق العرض ... لا بأس لأطلب المساعدة من أحمد زوجى أو من ابنى مروان أو من ابنتى مى ..." ربنا لايقطع لنا عادة " فقد فشلت هذه المحاولة كغيرها من المحاولات السابقة ، فأحمد مشغول دائماً ، ولا أدرى ماذا يفعل أكيد العمل لا يستغرق كل هذا الوقت ، لكن لا بأس هذا أفضل من أن يجلس فى البيت لا يفعل شيئاً ، ويتابعنى ، وأنا أدور فى "الساقية " ....

أما الأبناء الأعزاء ، فالله لا يقطع لهم عادة ، مروان عندما أطلب منه المساعدة يتحول فجأة إلى الطالب الجامعى المجتهد الذى عليه أعباء جسام ، وليس لديه أى وقت حتى لترتيب حجرته ، أما مى، فمن الأفضل ألا تشارك فى شىء ، فمشاركتها دائماً ما تأتى بنتيجة عكسية ..

فأتولى أنا جميع المهام ، وبعد أن انتهيت من إعداد البيت لاستقبال العيد كان عندى يوم شاق آخر ينتظرنى ، فقد قرر أحمد أن نضحى هذا العام ، واشترى خروفاً ، والحمد لله سيتولى هو ذبحه عند الجزار غداً ، وأنا أتولى كل شىء بعد ذلك من تقطيع اللحم ، وتقسيمه ، وعمل الأضحية ... ياه إن غداً ليوم آخرمن الشقاء..

المهم أننى انتهيت من إعداد المنزل ، لكن للأسف الأعداء الثلاثة الذين أعيش معهم كانوا يتولون هدم ما قمت به ، وإفساد نظام البيت ، فبدأت أعصابى تثور ،وصرخت مرددة:-

حرام عليكم أنا بقالى أسبوع بأنضف البيت ، وأرتبه ، وبكرة عندى شغل يهد جبل ، وكلكم قاعدين بهوات) ..)

لم يرد أحد على صراخى ، وعدت أرتب ما أفسدوه ، وأنا أشعر بقهر شديد ... ما هذا؟! أعمل خارج البيت ، ، ولى دخلى الذى يشكل جزءاً أساسياً من ميزانية البيت ، وأعود لأعمل فى ساقية ، ومع قوم لا ترحم تستحل مالى ، وجهدى ، وتفسد ما أقوم به ...

شعرت بالدماء تفور فى كل شرايين جسدى ، وأحسست بالحرارة تغزو وجهى ، لكن الليلة ليلة العيد لأحاول أن أهدأ ،وأفكر فى أيام الأعياد عندما كنت صغيرة ... مازال طعم الآيس كريم فى فمى ... كنت أنا ومجموعة من الأصدقاء ، والجيران نحرص دائماً على تناول الآيس كريم سواء كان الجو حاراً أو بارداً ، وكم تعرضنا للنهر من الأهل بسبب سلوكنا هذا ...

آه.. أيمكن أن أعيد هذه الأيام ، وأنطلق مع إجازة العيد هذا العام .... ماذا يمنعنى ؟! ما المسئوليات الملقاة على عاتقى ؟!! ... لقد انتهيت من أعمال الخدم ، وغداً فقط سأواصل بعض المهام ، وبعد ذلك ليس على عاتقى أى شىء ...

"مروان" سيخرج مع أصدقائه بعد منتصف هذه الليلة ، ويظل فى الخارج إلى ما بعد صلاة العيد ، وبعد ذلك لن نراه إلا نائماً .... أما "مى"فقد كبرت وأصبح لها مجموعة خاصة من الصديقات ... بالأمس سمعتها وهى تتحدث معهن ، ويضعن خطة للاستمتاع بأيام العيد ، ففى هذا العام العيد سيتصل بإجازة نهاية الأسبوع ، وفعلاً غبى من يضيع هذه الإجازة الطويلة هباءً...

وجاء أول أيام العيد ... أمضيت الصباح ، وقد انهكنى العمل ، وفى الظهيرة كان علينا الذهاب لبيت والدى ..هناك التقيت بالأسرة كلها ... أبى ، وأمى ، وأختى وأسرتها ، وأخى وأسرته ... كان أحمد كعادته يتملل فقد كان يريد أن يقضى أول أيام العيد عند أسرته ،ورغم أننا منذ أن تزوجنا ، وقد اتفقنا على أن أول أيام الأعياد عند أسرتى، والثانى عند أسرته ، لكنه فى كل عيد يتملل ...

كانت ضحكات كل أفراد الأسرة تنطلق من حولى ، لكننى كنت شاردة أفكر فى شىء واحد ، وهو الاستمتاع بالعيد كما أحب ..أخرج .... أنطلق ... أمشى فى الشوارع ... كم مر علي من الأعياد ، وأنا أؤجل هذه الرغبة ... مرة الأولاد صغار ، وصعب الانطلاق معهم ، وأحياناً هناك واحد منهما مريض ، أو علينا الذهاب لأماكن معينة حتى يتمكنوا من اللعب ... هذا غير الضياع الاجبارى لأول ، وثانى أيام العيد ...

لانتظر اليوم الثالث كما حلمت به ... كنت أجلس وسط عائلتى أو عائلة أحمد ، وأنا أفكر فى الإعداد لليوم الثالث ... آه كم مرت على السنوات ، وأنا فى انتظاره ... فكرت أن أتحدث عنه مع أحمد ، ونحن فى طريق عودتنا للمنزل بعد زيارة عائلته ، لكننى فوجئت بأحمد يطلب منى قائمة من الطلبات.

-طبعاً لازم تتحفينا من أيدك بشوية صوانى ، واحنا دبحنا الخروف عشان ناكل عند الناس.

شعرت بالدموع تتحجر فى مقلتى ، ورأيت زوجى ، وقد تحول لصورة من صور الطغاة ... إنه حتى لا يمتدح ما أقدمه له ... أو يطلبه بشوق ، وحب بل يتعامل معى ، وكأنه يذكرنى بما علي من واجبات عسكرية ...

وهكذا ضاع اليوم الثالث فى المطبخ ، وفى المساء حاولت استعطاف أحمد لنخرج سوياً ، لكنه أصر على متابعة البرامج الرياضية فى قنوات التيلفزيون ، حيث ستقام فى اليوم التالى مباراة مهمة جداً .... آه اليوم الرابع ضاع هو الآخر ، فيوم الكرة كله يضيع أمام التليفزيون لمشاهدة المباراة ، وكل التعليقات عليها ...

لم يبق أمامى سوى يوم الجمعة لأنفذ ما أرنو إليه منذ سنوات .... ظللت طوال الوقت أحلم بما سأفعله حتى جاء الصباح ، وانتظرت عودة أحمد من الصلاة ، فدخلت لاستعد للخروج ، لكننى فوجئت به يسرع لينام ، وعندما سألته بفزع عما يفعله أخبرنى أنه اتفق مع أصدقائه على قضاء السهرة معهم ، وعليه أن ينال قسطاً من الراحة ، وطلب منى عمل صينية بطاطس باللحم ...

لم أتمالك نفسى ، وصحت غاضبة ، فنظرأحمد لى ببلاهة ، واستلقى على ظهره ، ونام ...

خرج "أحمد ، ومروان ، ومى" ، وظللت أنا فى البيت بمفردى .... كان مظهر البيت قد تبدل كل التبديل ، وعلي أن أعيد تنظيفه .... هذا غير الأوانى التى علي تنظيفها .... إضافة لذلك أعطانى كل واحد من ثلاثتهم مجموعة لا بأس منها من الملابس لغسيلها حتى تكون جاهزة يوم الأحد عندما يعودون إلى العمل ، والدراسة..

نظرت إلى الأعباء الملقاة على كاهلى ، وظهر أمامى حلمى المجهض ، فظللت أقلب فى قنوات التليفزيون باحثة عن أى شىء أشاهده ...

عادت "مى" إلى المنزل ثم" مروان" ، وأخيراً حضر "أحمد" لم ألتفت لهم ، فقد كنت أتابع المسلسل التركى ... كانت مشاهده مغرقة فى الرومانسية ، فسبحت فى بحار الخيال و أنا أشاهد أبطاله ، لكننى عدت لأرض الواقع مع ضحكة أحمد الساخر ، وتعليقه السخيف

-إيه إللي بتشوفيه ده ... هو إنت لسه مراهقة ، ولا هو فيه حاجة اسمها حب بالطريقة دى ، والله ...

وقبل أن يكمل تعليقاته أغلقت التليفزيون ، وذهبت إلى الفراش دون أن أنطق بكلمة ، وظللت طوال الليل أفكر فى كم القهر الذى أعانيه ، لكن لماذا أرضى بالقهر ؟!.... لماذا ؟! ... الكل استمتع بالعيد ، وشاهد ما يريد فى التليفزيون ، وأنا أحرم حتى من المسلسل التركى ... لماذا أرضى على نفسى كل هذا القهر ، والإذلال ...إن الشعوب تثور على حكامها ، وتعرض نفسها للموت فى سبيل رفع الظلم لتكن الثورة لأعلنها دون أى تراجع ...

مع آذان الفجر تركت فراشى ، وأديت الفريضة ...تابعت منظر الشروق ثم بدلت ملابسى ، واتجهت إلى محطة القطار لاستقل القطار المتجه إلى الإسكندرية .... عدت للوراء لسنوات طويلة مضت عندما كنت صغيرة وأسافر مع عائلتى ، فمارست كل الطقوس التى كنت أمارسها ... اشتريت رواية بوليسية لأقرأها طوال الطريق..

كان يجلس في المقعد المجاور لي شاب صغير كان ذاهباً إلى الإسكندرية مع مجموعة من أصدقائه الذين كانوا يجلسون حولنا .... تابعت خططهم لقضاء رحلتهم ، وكم استمتعت بما سيفعلونه رغم أننى لايمكن أن أجاريهم فيه ...

المصدر: مجلة حواء -ايمان العمري
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 297 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,335,049

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز