في عيد الأم

أمهات يعانين الحرمان والهجر

كتبت :مروة لطفي

فى الحادى والعشرين من مارس كل عام تسعد كل أم بعيدها وسط أطفالها أو أحفادها، بينما أتجرع وحدى مرارة الحسرة والألم، فقد عشت عمرى أحلم بطفل، أفرح كلما نظرت لعينيه، وأبكى لو تأخر عنى، وأغرق فى بحر الأمانى عند التفكير فى مستقبله العلمي والعملي والحياتي، فهذا هو الهدف الوحيد الذى أحيا من أجله، لكن للأسف شاء القدر أن يحرمنى منه، لأبقى وحيدة بلا طفل أو بمعني أصح بلا أمل..

 لذا أعترف أمامكم بكراهيتى الشديدة لهذا اليوم المسمى «بعيد الأم» لأنه يذكرنى بغريزة الأمومة التى لم تكتب أبداً لى، فهل يشعر أحدكم بمعاناتي؟! ll

ويبدو أننى لست الوحيدة التى أعانى ويلات الحرمان من الأمومة، فغيرى الكثيرات منهن علا محمد «موظفة» فى أوائل العقد الرابع من العمر تقول:

 منذ نعومة أظافرى والأمومة حلم حياتى .. فكثيراً ما تمنيتها فى مراهقتى وشبابي حتى أننى أردت الزواج أثناء الجامعة من أجل سماع كلمة «ماما» لكن للأسف مضت بى الأيام ولم أتزوج حتى الآن .. ولأننى أكاد أموت شوقاً لسماع كلمة «ماما» فكرت فى كفالة أحد الأيتام إلا أن أسرتى رفضت بشدة بحجة أننى أساهم بهذا الطفل فى وقف حالى على حد قولهم .. على الرغم أن حالى موقوف به أو بدونه، بالإضافة إلى رفض معظم دور الأيتام رعايتى لأحدهم داخل بيتى بحجة أننى مازلت بلا زواج ولن أستطيع توفير مناخ أسرى صحى له .. لذلك أتساءل: أليس وجود يتيم يؤنس كل منا الآخر أفضل من وحدته بدار أيتام؟!..

 عطيات جنيدى - مديرة عامة بوزارة التعليم العالى سابقا - هى الأخرى لم تتزوج لكنها عوضت أمومتها عن طريق أبناء أخواتها ومرءوسيها وعن ذلك تقول:

 رغم عشقى للأطفال منذ صغرى إلا أننى لم أفكر فى الزواج أثناء شبابى ويرجع ذلك لانشغالى بالتعليم والعمل فضلاً عن انغماسى فى العمل الاجتماعى لأنسى نفسى فمضى بى قطار العمر دون زواج .. وهنا بدأت مشاعر الأمومة تداعبنى حتى أننى تمنيت كثيراً خسارة كل ما أملك من مال ومركز اجتماعى وخلافه مقابل أن أكون أماً.. وازدادت حدة مشكلتى بنظرة المجتمع لى فمازالت أذكر تلك المناسبة الاجتماعية والتى أردت خلالها التقاط صورة مع احد الأطفال..

 لأفاجأ بوالدته تشده بعنف خوفاً عليه من الحسد .. ولا أستطيع وصف كم الجرح الذى أصابنى وقتئذ .. لكننى قررت عدم الاستسلام لليأس فعوضت أمومتى من خلال رعاية أبناء إخوانى والمشاركة فى تنشئتهم حتى انتهوا من دراستهم الجامعية لذلك يحرصون على الاحتفال بى فى عيد الأم بالإضافة إلي مشاركة زملائى بالعمل فى هذا الاحتفال نظراً لتعاملى معهم على مدار سنوات خدمتى بالوزارة باعتبارهم أبنائى وليسوا مرءوسين .. وهكذا، تمتعت بالحد الأدنى من مشاعر الأمومة التى حرمت منها.

عاقرات ولكن

وإذا كانت النماذج السابقة حرمت من الأمومة نتيجة عدم الزواج فهناك من تزوجن لكن ظروف خارجة عن إرادتهن حرمتهن من نعمة الإنجاب منهن ن.أ - سيدة مجتمع - تقول:

 تزوجت فى سن صغيرة من طبيب مشهور .. وقد حاولت الحمل بشتى الوسائل لكننى فشلت حيث أكدت جميع التحاليل الطبية استحالة ذلك..

 الأمر الذى أصابنى باكتئاب شديد حتى أننى مازلت أذكر أول يوم عيد أم يأتى بعد معرفتى بالحقيقة المؤلمة حيث حاولت الانتحار .. مما أثار حفيظة زوجى خاصة أنه رضى بمشىئة الله ولم يعترض .. ففكر فى تطليقى حينذاك لفضيحتى له أمام زملائه الذين عرفوا بمحاولة انتحارى لكنه سامحنى لحبه الشديد لى.. وقد مضت بى الأيام لتمر الذكرى الـ 35 على زواجى بلا طفل أمنحه حياتى .. وقد حاولت شغل وقت فراغى بالانضمام للعديد من الجمعيات الأهلية، لكننى أبداً لم أنس حلم عمرى لذلك أرفض مغادرة المنزل يوم عيد الأم أو مشاهدة أى من وسائل الإعلام حتى لا أتذكر مأساتى..

 وعلى عكس الرأى السابق تقول زينب عبد الغفار - مدرسة - لا أنكر حزنى من جراء الحرمان من نعمة الإنجاب لكننى تغلبت على مشاعرى السلبية من خلال عملى بالتدريس لأصبح أماً لجميع الأطفال الذين أتعامل معهم واعتبر عيد الأم أحلى يوم فى العام حيث أجلس مع أبنائى فى الفصل لعمل كروت تهنئة لأمهاتهم فيحرص كل منهم على إهدائى أحد هذه الكروت تعبيراً عن مشاعرهم تجاهى..

انتزاع الأمومة

ومن المحرومات من الإنجاب إلى المنزوعات من الأبناء والنتيجة أكثر إيلاماً وهو ما تؤكده أشجان أحمد - 37 سنة - قائلة:

 تزوجت عن قصة حب أثمرت عن 3 أبناء، هم كل حياتى لكن يبدو أن الرياح تأتى دائما بما لا تشتهى السفن، حيث وقع زوجى فى حب فتاة أمريكية فقرر الزواج منها وطلقنى .. وبعدها سافر معها إلى بلدها وحصل على الجنسية الأمريكية، ومنذ 5 سنوات جاء لزيارة بلده، فذهب أولادى لرؤيته ولم يعودوا حتى الآن .. فقد سافر بهم، مما أصابنى بانهيار عصبى عولجت منه بإحدى المصحات النفسية .. ومن يومها وأنا فى متاهة لا نهائية لإعادتهم ولا أعرف كيف ستكون حياتى إذا فشلت فى استرجاعهم؟!.

مساومة

ما إن طلقت الفنانة سهام جلال حتى حاول طليقها خطف ابنها ليساومها عليه .. أما نيرمين الفقى فخافت على رشاقتها من الحمل فيؤثر ذلك على عملها كعارضة أزياء فكانت النتيجة ندم بعد فوات الآوان.. هذه النماذج قدمتها المتميزة يسرالسيوى من خلال مسلسلها الشهير «مواطن بدرجة وزير» فما سر اختيارها لهن؟!

 تقول يسر السيوى: هذه الحالات مأخوذة عن نماذج حقيقية تعرفت عليها حيث يرفضن كثير من الفنانات والمشاهير الإنجاب فى شبابهن ليندمن بعد فوات الأوان..

 كذلك يعانين كثير من المطلقات من انتزاع امومتهن بغرض اذلالهن.

 لذا أطالب المشرع بحماية هؤلاء من خلال تعديلات تشريعية حاسمة..

عقوق الأبناء

هذا عن النساء اللاتى حرمن من ابنائهن بحكم الزواج السابق فماذا عن الأمهات اللاتى تعبن .. وكبرن .. فكانت مكافأتهن الإيداع بإحدى دور المسنين؟!..

 تقول أمانى الحمصانى -عضوة: مجلس إدارة جمعية دار المسنين بالخانكة-: لاشك أن العجوز التى حرمت من الإنجاب أوفر حظاً من تلك التى تعانى من جحود الأبناء حيث يؤثر ذلك سلباً على نفسيتها وهو ما لمسته بنفسى من خلال تعاملاتى مع العجائز بالدار واللاتى يشعرن بالحزن والكآبة من عقوق أبنائهن لكنهن يدافعن باستماتة عنهم أمام الآخرين..

 ولا يمكن أن أنسى تلك العجوز التى كادت تموت حزناً من لهفتها على رؤية ابنتها الوحيدة .. وعندما اتصل مدير الدار بها وأخبرها أن والدتها على حافة الموت، جاءت لزيارتها ووجدتها على قيد الحياة تشاجرت مع جميع العاملين لإحضارها دون داعى على حد قولها .. وهنا حمدن جميع العجائز اللاتى لم ينجبن، الله سبحانه وتعالى على نعمة عدم الإنجاب!!

 لذلك أرى أن جحود الأبناء هو الأكثر إيلاماً لنفسية العجائز وأطالب المشرع بوضع قوانين تحمى المسنين من عقوق الأبناء.

فاتورة الكراهية


هذا عن معاناة النساء من جراء الحرمان من سماع كلمة «ماما» فهل يشعر المجتمع بآلامهن؟! وإلى أى مدى يؤثر ذلك على نفسيتهن؟ والأهم .. كيف يتغلبن على أخزانهن؟!..

 تقول د. هدى زكريا -أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنوفية - الأمومة هى فعل اجتماعى أكثر منه بيولوجى فى مجتمعنا .. فكثيراً ما نجد سيدات لم ينجبن يلقبن بكلمة «ماما» لرعايتهن لكل من حولهن .. وذلك أمر معتاد فى بلدنا منذ قديم الأزل، لكن المشكلة تكمن فى نظرة بعض النساء لأنفسهن فإذا شعرت إحداهن بالنقص لعدم الإنجاب انعكس ذلك على نظرة الآخرين لها..

 أما بالنسبة للمرأة التى أنجبت وانتزع منها أبناؤها فهى تعانى فى شبابها لكنها تسترد أبناءها عند الكبر، بينما يدفع الأب فاتورة الكراهية التى زرعها فى أبنائه على مدار سنوات من جراء حرمانهم من أمهم..

 ونفس الفاتورة يدفعا الابن العاق مع أبنائه فيما بعد لأن العقوق يتوارث فضلاً عن المطاردة الاجتماعية التى يتعرض لها من جراء إهماله لأمه..

غريزة الأمومة

بينما يؤكد د. هانى السبكى - استشارى الأمراض الفسية - أن الأمومة رغبة فطرية عند الإناث من خلالها تشعر المرأة بقيمتها حيث تضيف شيئاً للحياة بهذا المولود الذى يخرج من أحشائها .. فإذا ما حرمت منه انعكس ذلك سلباً على نفسيتها وتزداد درجة معاناتها إذا جربت هذا الشعور وانتزع منها بعدما أعتادت عليه .. الأمر الذى يعرضها للحسرة والألم فتصاب بالإحباط والاكتئاب النفسى، وقد تتطور معاناتها النفسية لتصل إلى كراهيتها لنفسها ومن حولها .. وهنا يكون للمجتمع دوره فى مساندتها، من خلال مراعاة مشاعرها، فضلاً عن ضرورة كف وسائل الإعلام عن المبالغة بالاحتفال بعيد الأم حفاظاً على مشاعر المحرومات من تلك الغريزة..

 وأنصح النساء اللائى يعانين من هذه المشكلة بتعويض حرمانهن عن طريق القيام بدور فعال فى المجتمع سواء كان ثقافىاً أو اجتماعىاً .. بالإضافة لأهمية البحث عن مصادر أخرى للسعادة داخلهن بدلاً من التفكير فى أشياء خارجة عن إرادتهن .. بمعنى البدء فى التفتيش عن المواهب الداخلية حيث يملك كل منا موهبة كامنة إذا نجح فى اكتشافها وتوظيفها تتحول إلى طاقة عطاء تعوضه عن أى مشاعر حرم منها رغماً عنه..

 وأخيراً أؤكد أن الحرمان من كلمة «ماما» فى حد ذاته ليس سبباً فى الإصابة بالمرض النفسى، لكن رؤيتنا السلبية لهذه المشكلة هى التى تدفع البعض للوقوع فى براثن المرض النفسى

المصدر: مجلة حواء -مروة لطفي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1749 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,995,649

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز