الحب هو واحة مزهرة وسط صحراء الحياة، لكنه كثير ما يتحول إلى جحيم لا يطاق عندما يخلو من الاحترام بن الطرفن وبخاصة عندما تتحول فيه المرأة إلى وعاء لتنفيث غضب مكبوت أو هدف للعنف اللفظى أو الجسدي، حيث يعتقد البعض أن الرجولة لا تكتمل إلا بالانتقاص من كرامة المرأة سواء حبيبة أو زوجة، وكسر ثقتها بنفسها، لكن ما هى الأسباب التى قد تدفع بالرجل إلى العدائية تجاه الحبيبة أو الزوجة بل وتصل أحيانا إلى استخدام العنف أمام الآخرين، ولماذا تقبل بعض النساء هذا الوضع وترضخ والأهم هنا هو كيف تتعامل مع هذا النوع من الرجال.

"التنازل لمرة واحدة يعني تنازل طول العمر"، تحكي سيدة عبد السميع 34 سنة، ربة منزل، تزوجت بشكل تقليدي وفي أيام الخطوبة كان أحيانا عندما يتعصب يقول "يا حيوانة" أو "يا غبية" بيني وبينه كنت أغضب لكن كان يصالحني ويقول لي اعذري عصبيتي، بعد ذلك أصبح يعنفني بالألفاظ أمام أهلي أو أهله، وعندما اشتكيت والدته قالت لي كل الرجالة كده استحملي عصبيته يشيلك فوق راسه، ووجد أبي وأمي أن الأمر عادي، وبعد الزواج سنأخذ على طباع بعض، الآن زوجي لا يشتمني فقط بل ويضربني أيضا أمام أبنائي، والمشكلة أن أطفالي لم يعودوا يحترمونني، ويشتمونني وعندما أنهرهم يقولون: زي بابا ما بيعمل معاكي، ولا أستطيع طلب الطلاق ففي عائلتنا هذا أمر مرفوض إذا تطلقت لن أجد مكانا أذهب إليه.

قبل زواج "نسرين محمد" 28 سنة، مونتيرة، إلى ابن عمتها المدرس، تقول: طول عمري شاطرة ومحبوبة وبلبس كويس رغم مستوانا الاجتماعي العادي، ومعارفي وأصدقائى كلهم مستويات كبيرة، والحمد لله أنا ناجحة في مجالي جدا، وخطبت لابن عمتي عن قصة حب، لكن بعد الارتباط، كان هناك انتقاد لكل تصرفاتي وعندما نجتمع مع الأهل والأصدقاء يكون الانتقاد بشكل علني وبأسلوب جارح وتحول الانتقاد إلى انتقاص من قدراتي وتقليل مني، كنت أصمت تفاديا للخلاف خصوصا أننا عائلة، لكني تشاجرت معه وأخبرته أن أسلوبه لا يرضيني، فقال لي "أنت بتتمنظري بنفسك وشغلك وعلاقاتك قدام الناس"، شعرت وقتها أنه يهين كرامتي ويهز ثقتي بنفسي ليعوض نقصا لديه، وبمرور الوقت أذاب أسلوبه المهين حبي له خاصة عندما أصبحت نفسيتي دائما سيئة، ودعمني والدي في القرار لأنه يريدنى ناجحة وسعيدة، وقررت الانفصال في مرحلة الخطوبة لأن الإنسان الذي لا يحترم نجاح خطيبته، لن يتغير وبعد الزواج وسيتحول الأمر إلى الأسوأ.

محمد عبد العزيز، محامي، 32 سنة، يقول الرجل الذي يهين خطيبته أو زوجته هو رجل ناقص الرجولة يعوض هذا النقص بسبها أو ضربها، لكن المشكلة أحيانا تكون في الأهل الذين يشجعونه على هذه التصرفات وأحيانا أهلها الذين يرونه أمرا عاديا، وفي بعض العائلات يرفضون أن تفسخ الخطوبة أو يحدث الطلاق بسبب الإهانة أو الضرب، وهذا النوع من الرجال لا يتغير للأسف وبحاجة لشخص قوي يردعه سواء من الأهل أو من الزوجة أو الخطيبة نفسها.

"لا يتغير"، هذا أيضا كان شعار هناء مصطفى 26عاما، موظفة بشركة سفريات، قالت: اتخطبت عن قصة حب وهو عصبي وغيور جدا، وبحجة العصبية كان في إهانات طول الوقت سواء بيني وبينه أو أمام الناس دائما كنت خائفة أن يراني أكلم أحدا، قطعت علاقتي بمعظم الأقارب أو زملائي في العمل وعندما يتصل بي أحد لو حتى مديري تقوم القيامة، كنت أتشاجر معه وبالأسبوع وأحيانا الشهر لا نتكلم، لكني كنت أعود إليه لأنني لا أتخيل حياتي من غيره وفي إحدى المرات كنت في المكتب وعندي أحد العملاء وبطبيعة الحال أكون مبتسمة وأتعامل بأسلوب لطيف وجدته يدخل فجأة غاضبا ثم ضربني على وجهي أمام العميل وزملائي الذين دخلوا على صوته المرتفع، في تلك اللحظة كرهته وكرهت حبي له وكرهت نفسي وقررت فسخ الخطبة، ولم أعد ولم أحن لتوسلاته، في تلك اللحظة شعرت أن كرامتي فوق كل شيء، وأن ثقته في حبي وأنني أعود إليه كل مرة جعلته يتمادى، فإذا كان يضربني ونحن مخطوبين ماذا سيفعل بعد الزواج.

مشكلة شيرين سيد 25 سنة، هي ضعف شخصية زوجها أمام أمه الذي يترجمه في إهانات مستمرة لها، تقول: أثناء الخطوبة لمست طاعة زوجي لأمه في كل شيء كنت أجد هذا احتراما وكان أهلي سعداء بعلاقته الطيبة بوالدته خاصة وأن والده متوفي وهو الولد الأكبر، كان هناك تحكمات لكنه كان يقول لي معلش دي أمي، وكانت أمي تقول لي "سايسي" أمورك لإتمام الزواج، تزوجت في بيت يقطن فيه إخوته لكن كل واحد في شقة وهم يأكلون في شقة الأم، لكنني كنت رافضة لمبدأ بيت العيلة لحدوث مشاكل لذا أخبرني أننا سنعيش بشكل منفصل مع بقاء الود، لكني فوجئت بإخلال الاتفاق وبعد أسبوع طالبني بالنزول إلى منزل الأم والأكل فيه والتنظيف وهو ما رفضته وحدثت مشاجرة كبيرة وتدخل أهلي لأنه خدعني، وأصبح هناك خلافات مستمرة واضطررت للرضوخ والنزول لكن كانت هناك إهانات من الأم وعندما أشتكي يعنفني ويضربني ومرة ضربني وكنت حاملا فأجهضت، وحررت محضرا وطلبت الطلاق لأنني لم أتحمل.

تقول استشارية العلاقات الزوجية والأسرية الدكتورة منار عبد الفتاح، إن الرجل يكون عدائيا بهذا الشكل مع الزوجة أو الخطيبة لعدة أسباب منها أنه يغير من نجاحها وتفوقها، أو هو أصلا بطبيعته شخصية متسلطة وهذا النوع يرى أنه وحده صاحب القرار ووحده له الحق في التكلم، ومؤمن بأنه يجب أن يفرض رأيه على زوجته ويتجاهل أنها كائن ذات عقل، أو الغيرة من مستوى الزوجة الاجتماعي، وهناك رجال يدخلون الزوجات أو الحبيبات في مقارنات مع الأصدقاء أو زميلات الشغل، وهو أمر غير مقبول مثلا أنت تزوجت فتاة ممتلئة واخترتها وهي هكذا لا تلاحقها بتعليقات خسي أو انظري هذه الفتاة الرشيقة، لماذا لم تخترها رشيقة منذ البداية، وهناك من يرى أنه من الدين ضرب الزوجة أو طاعة الزوج في المطلق، الرسول كان يقول: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وقال أيضا استوصوا بالنساء خيرا، فلا علاقة للإسلام بإهانة المرأة، والمفترض أن الفتاة سواء في مرحلة التعارف أو الخطوبة أو الزواج أن تصنع لنفسها كرامة، ما فيش حاجة اسمها "عديها" هناك عيوب لا تمر مرور الكرام، ما ينفعش أحترمه قدام أهله والناس ويهينني وأقول عصبي، الرجل الذي يهين زوجته صفة سيئة جدا ولا تتغير بسهولة، ولكي تتعاملي مع هذا النوع لابد من وضع حدود لا يتخطاها، وما فيش حاجة اسمها "شتيمة أو ضرب" هزار، والأمر لا يقتصر على الزوج أو الخطيب فقط فهناك رجال يسمحون للأم أو الأخ بإهانة الزوجة وهذا مرفوض وغير مقبول، لأن قبولك كامرأة لهذا النوع من المعاملة يجعله مع الوقت أمرا مباحا وإذا اشتكيت أو زعلت المرأة يستغرب، والاستمرار في علاقة خطوبة أو زواج بلا كرامة هو فشل.

أما الدكتور أحمد هارون مستشار العلاج النفسي وعضو الجمعية الدولية للعلاجات الزوجية والأسرية، فيقول إن هذا النوع من التصرفات تجاه الزوجة أو الخطيبة يتجاوز مرحلة التنمر، لأن التنمر لا تحكمه علاقة إنسانية، يكون بين زملاء عمل مثلا أو شخص لا تربطك به علاقة معينة، لكن العلاقة الزوجية رباط مقدس، لذا فـ "العدائية" هي أنسب توصيف، والزوج العدائي يتحول من مسئول عنها إلى عبء عليها، فبدلا من تشجيعها يهدمها، وبدلا من مساعدتها يحاربها، وهو أمر غير مقبول في علاقة الزواج، وللأسف الكثير من الزوجات تؤجل طموحها بسبب الزوج، لذا عندما تفاجأ به يقتل طموحها ويحرمها منه يزيد الإحباط، وطبعا الزوج الذي يمارس هذه العدائية تجاه زوجته لديه مجموعة من المشاكل، ثقته بنفسه قليلة أو معدومة يعتقد أنه يعززها بالتقليل من ثقة المرأة التي معه، لديه تشوه في مفهوم الرجولة يتخيل أنه يثبت نفسه بإهانتها، وهذا النوع أرائه متحجرة وثابتة كلامه أوامر وانتقادات وأسلوبه إهانات، والسبب الثالث أهم وهو ضعف الشخصية فهو يعوض ذلك بالصوت العالي والعدوان عليها ويسمى هذا "توكيد الذات" السلبي، وهذه العدائية المستمرة تؤدي إلى توتر العلاقة ومن المفترض أن يخضع الزوج مع الزوجة للعلاج الزواجي لدى مستشار علاقات أسرية، لأن الموضوع خطير، فالتعنيف حتى لو كان نفسيا، يؤدي إلى أعراض جسدية لدى الزوجة، منه مشاكل النوم واضطرابات الأكل، والعزلة والكآبة وانعدام الأمان، والتوتر، وقد طرحنا مبادرة قبل عام اسمها "رخصة زواج" تقترح كما نذهب لعمل رخصة من أجل تعلم القيادة، لابد من رخصة ليستطيع المرء الزواج والتأكد كونه مؤهلا للزواج ونشر التوعية عن ماهية الزواج كعلاقة احترام ومودة ومحبة متبادلة.

أما د. جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنوفية، فيرجع الأمر إلى بعض العادات البالية التى تربط بالثقافة المجتمعية والتى ترى أن للرجل كافة الحقوق حتى وأن تجاوز فى بعض الأحيان فى معاملته مع خطيبته أو زوجته ولجأ إلى إهانتها فى حن أي سلوكيات بسيطة منها يرفضها الجميع، وبالتالى نجد الآباء والأمهات قد يرفضون من مراحل الأرتباط الأولى لأبنائهم إنهاء هذه العلاقة مهما تجاوز الرجل فى معاملته لخطيبته تحت شعار أن هذا أمرا عاديا ومتعارف عليه بل أن البعض يراه حق من حقوق الرجل، والبعض الأخر قد يرغم ابنائه على إكمال هذ ا الارتباط خوفا من شبح العنوسة.

لكن نصيحتى لهؤلاء جميعا أننا لابد وأن نتحرر من هذه الأفكار ونختار العلاقات الاجتماعية المتوازنة القائمة على الإحترام ومبادئ الود والأخذ والعطاء.

المصدر: كتبت : أماني ربيع
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 113 مشاهدة
نشرت فى 5 سبتمبر 2019 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,968,342

رئيس مجلس الإدارة:


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز