
سمر عيد
دق محصل الكهرباء باب ناهد فأخبرها بقيمة الفاتورة، لتفاجئ بأنها تضاعفت تقريبا عن الشهر الماضي، راحت مع زوجها تسترجع الأجهزة التي استخدماها خلال الشهر، حتى أدركا أن زيادة تشغيل مكيف الهواء والمراوح وبعض الأجهزة المنزلية رفعت استهلاكهما ونقلتهما إلى شريحة أعلى هذا المشهد قد يتكرر مع فواتير الكهرباء والغاز والمياه بسبب سلوكيات يومية بسيطة تهدر الموارد وتزيد الأعباء على ميزانية الأسرة والدولة، ومن هنا تبرز أهمية ترشيد الاستهلاك، ليس فقط الخفض قيمة الفاتورة، وإنما للحفاظ على مواردنا ودعم اقتصاد الأسرة، كما تؤكد هذا ربات البيوت في شهادتهن التالية
تجربتها الشخصية في ترشيد الكهرباء جعلت سحر حسام، معلمة لغة عربية بإحدى المدارس الخاصة، تكتشف أن تغيير بعض العادات اليومية يمكن أن يحدث فرقا واضحا في قيمة الفاتورة، وتقول: استبدلت كل اللمبات باللمبات الموفرة، واستغنيت عن غسالة الصحون وأصبحت أجمع الغسيل لتشغيل الغسالة مرة واحدة أسبوعيا، كما اعتمدت على وسائل التبريد المنزل بعيدا عن مكيف الهواء خلال الصيف و أصبحت أفصل التيار الكهربي عن الراوتر وشواحن المحمول عند عدم استخدامهم، كما أصبحنا نجلس كعائلة في غرفة واحدة كلما استطعنا هذا حتى لا نستهلك إضاءة أكثر، كما اعتمدت على تسخين المياه في أبريق إعداد المشروبات الساخنة، وكانت النتيجة انخفاض قيمة فاتورة الكهرباء إلى النصف تقريبا.
وترى نيرة سعيد، مرشدة سياحية، أن ترشيد استخدام المياه يمكن أن يبدأ من المنزل، مشيرة إلى أن بعض المراكز التجارية والأماكن السياحية في مصر أصبحت تستخدم الصنابير الذكية، وهو ما يساعد على تقليل الفاقد، وتقول: أصبحت أغسل سيارتي بالدلو وأعيد استخدام ما يتبقى من المياه النظيفة في ري الزرع، كما منعت وزوجي بواب العمارة من رش الشارع بالخرطوم، وأصبحت أشغل غسالة الصحون مرة كل ثلاثة أيام لتوفير المسحوق والكهرباء والكهرباء والمياه، فمثل هذه التدابير يمكن أن تقلل قيمة فاتورة المياه على مستوى المنزل والعمارة معا.
بينما تقول هدى طلعت، صاحبة سوبر ماركت عرفت من نشرات الأخبار تداعيات الأحداث العالمية حولنا على الأسعار في كافة دول العالم لذلك اتخذت إجراءات لتقليل استهلاكي، وأوقفت استخدام سيارتي وأصبحت أعتمد على مترو الأنفاق، وهو ما وفر كثيرا من استهلاك الوقود، كما اهتممت بتنظيف عيون البوتاجاز حتى لا يستهلك كمية أكبر من الغاز. وأتمنى أن يدرك الناس أن ما يحدث في العالم قد ينعكس علينا أسوة بكافة الدول المحيطة
في أسعار الطاقة. ترشيد الاستهلاك .. قرار اقتصادی
تؤكد د. أسماء ممدوح، الأستاذ المساعد بقسم الاقتصاد المنزلي بكلية التربية النوعية. أن ضبط الاستهلاك أصبح ضرورة اقتصادية للأسرة، وتزداد أهمية ذلك لدى الأسر التي تعتمد على دخل واحد أو أصحاب المعاشات
والنساء المعيلات. وتقول: علينا ضبط وترشيد استهلاك الطاقة من خلال إجراءات بسيطة، منها عدم فتح وغلق باب الثلاجة أو الفرن كثيرا، وتشغيل الغسالة وهي ممتلئة بدلا من تشغيلها على قطعتين أو ثلاث مع اختيار البرامج الموفرة للمياه والكهرباء وعدم استخدام درجات حرارة مرتفعة دون حاجة عند هذا الاستخدام.
وتضيف: من الأفضل أيضا تجنب تشغيل أكثر من جهاز كهربائي خلال فترة الذروة، وتشغيل السخان قبل الحاجة إلى المياه الساخنة بوقت مناسب مع إجراء الصيانة الدورية للسخانات والمكيفات والثلاجات، وكذلك إصلاح صنابير المياه والمواسير لمنع تسرب المياه، كما أن فصل التيار عن الأجهزة غير المستخدمة يقلل الاستهلاك ويخفض قيمة الفاتورة، بهذه الطريقة نحقق التوازن بين استهلاك الطاقة والمصروفات والدخل، بدلا من أن تضطر الأسرة إلى تقليل الإنفاق على احتياجات أساسية المواجهة ارتفاع الفواتير.
تغيير الثقافة يبدأ من الأسرة
لا يتعلق ترشيد الاستهلاك بالارقام والفواتير فقط، وإنما بثقافة تحتاج إلى تغيير تدريجي. كما ترى د. شادية أحمد مصطفى، الأستاذ المساعد بكلية الآداب قسم الاجتماع، وتقول: ثقافة المجتمع والأسرة تحتاج إلى وقت كي تتغير والسلوكيات تتبدل تدريجيا بالوعي والثقافة والتعليم والتنوير، ولكي تتحول من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع ينفق على احتياجاته فقط، فإن الأمر ليس مستحيلا، لكنه يحتاج إلى وقت وتضيف: التنشئة الاجتماعية التي تبدأ داخل الأسرة والحضانة والمدرسة، وتشارك فيها وسائل الإعلام والدراما تلعب دورا أساسيا في تكوين سلوك الفرد، فإذا تعلم الطفل منذ الصغر إغلاق المصابيح في الغرف الخالية. وإحكام غلق الصنبور بعد استخدام المياه، وعدم شراء سلعة لا يحتاج إليها، فسوف يتحول هذا السلوك إلى عادة تلقائية عندما يكبر.
وتتابع: إن القدوة الأسرية لا تقل أهمية عن التوجيه، فلا يمكن أن نعلم الطفل ترشيد المياه والكهرباء بينما يرى الكبار يهدرونهما طوال الوقت، وما زالت بعض الأسر تنظر إلى كثرة الطعام في المناسبات والإسراف في الأفراحوتجهيزات العروس باعتبارها نوعا من الفخر والترف، بينما تروج بعض وسائل التواصل الاجتماعي الثقافة الاستهلاك، والحقيقة أن الإسراف يستهلك موارد الأسرة والدولة معا. ولذلك نحتاج إلى تغيير هذه النظرة وترسيخ مفهوم جديد يقوم على الاستخدام الرشيد للموارد.
دور الإعلام
تؤكد د. سهير صالح، خبيرة الإعلام، أن وسائل الإعلام بمختلف أشكالها تستطيع أن تؤدي دورا مهما في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك كما يحدث الآن.
وتضيف والرسالة الإعلامية نفسها يجب أن تكون بسيطة وقريبة من الجمهور، وأن تستمر وسائل الإعلام في الاستعانة بخبراء قادرين على تقديفم حلول عملية، مع تعريف الأسرة بما تقوم به الدولة من مشروعات لزيادة توفير مصادر الطاقة، والاتجاه إلى مصادر الطاقة البديلة. وهكذا لا تبدو دعوة «خفضي قيمة الفاتورة وقللي الاستهلاك مجرد نصيحة، بل تصبحسلوكا يوميا يحقق مصلحة الأسرة، ويحافظ على موارد الدولة، ويدعم قدرة المجتمع على مواجهة تحديات الطاقة العالمية والظروف الاقتصادية العالمية المتغيرة، فالترشيد يبدأ
من مفتاح إضاءة وصنبور مياه وجهاز كهربائي بقيمة ما يملك. في النهاية لكنه في النهاية يعكس وعيا مجتمعيا كاملا



ساحة النقاش