من هي سيدة القصر القادمة؟

كتبت :ماجدة محمود

 

 أقل من ثلاثة أشهر، ويستقبل القصر الرئاسي السيدة الجديدة، زوجة الرئيس المنتظر، ولأن تجربة القصور الرئاسية مع زوجات الرؤساء مريرة، فقد أعلن المرشحون للرئاسة عن نيتهم عدم السماح لزوجاتهم بالظهور الإعلامي، أو المشاركة في أي أنشطة أيا كانت طبيعتها، قد تبدو هذه التصريحات وردية، لأن من سبقوهم للقصور الرئاسية أعلنوا هذا مراراً وتكراراً، ثم كانت النتيجة أن تسللْت الزوجات وشاركن أزواجهن الحكم من وراء الكواليس، ضاربات بتحذيراتهم عرض الحائط.


 هنا نستعرض ما شهدته مصر علي أيدي سيدات القصر علي مدار أكثر من ستين عاما، مع أول ملك لمصرمنذ «نازلي وحتي سوزان، فهل ستسير السيدة الجديدة علي النهج أم ستلتزم بالتعليمات ؟ سؤال ستجيب عليه الأيام القادمة

 رغم البداية التى عاشتها الملكة نازلى حبيسة لجدران قصر القبة، الشاهد على الأحداث، إلا أنه بمجرد وفاه زوجها الملك فؤاد الأول، انطلقت ضاربة بالتقاليد الملكية عرض الحائط، خاصة وانها كانت الملكة الحقيقية لمصر، لصغر سن ابنها الملك فاروق الذى كان قاصرا، ولم يتمكن من تسلم كامل سلطاته الشرعية، ووضع تحت وصاية لجنة يرأسها أبرز الطامعين فى الحكم وقتها الأمير محمد على توفيق، مما دفع الملكة الأم لاستصدار فتوى من الإمام المراغى شيخ الأزهر الأسبق بأنه يجوز للإنسان أن يتصرف فى أمواله عندما يبلغ 15عاما من عمره، ليتسلم فاروق الحكم وهو فى عمر 17 ميلادية، 18هجرية طبقا للدستور الذى ينص على احتساب التقويم بالهجرى، ومن هنا أصبحت الملكة نازلى هى الحاكمة الفعلية للبلاد من وراء الستار، ولم تتوقف خطط ومؤامرات نازلى عند حد تنصيب صغيرها ملكا على مصر، بل كانت تطيح بكل من يقف أمام سعادتها أو رغباتها، وهاهى تتصل بـ«تحسين سرى» باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية، لتبلغه بقرارها طرد المطربة اسمهان، التى تقاسمها حبيبها أحمد حسنين - رئيس الديوان الملكى- لينفذ فورا الأمر، ويبلغ اسمهان بضرورة مغادرة مصر خلال أيام، وامتدت مؤامرات الأم ومشاكستها لتظل صافيناز ذو الفقار الملكة فريدة بتدخلها فى شئونها وهى ملكة مصر الفعلية والتلصص على خصوصياتها، إلى أن وقع الطلاق بينها وبين الملك فاروق بسبب عدم إنجابها لولى العهد وهكذا كانت تحيك المؤامرات وتضرب بالتقاليد عرض الحائط، ويذكر المؤرخ يونان لبيب رزق، انها كانت سببا فى تصدع الملكية فى مصر وسقوطها بعد ذلك.

 ونعود للملكة فريدة التى أحبها الشعب لبساطتها، وكان نشاطها لا يتعدى الأعمال الخيرية والأنشطة النسائية المرتبطة بتلك الأعمال، وأيضا كانت الملكة ناريمان الزوجة الثانية لفاروق كذلك، إلا أن الأيام لم تمهلها الإقامة فى القصر اكثر من عام ونصف بعد ما قامت ثورة 1952م، لتنتهى الملكية وتبدأ الجمهورية.

 أولى سيدات القصر



 - عائشة لبيب هى الزوجة الثانية لأول رئيس مصرى يحكم مصر بعد الملكية والذين لا يعرفون «اللواء محمد نجيب» الذى تولى الرئاسة لمدة 19شهراً، من 18يونيو 1953م وحتى إقالته فى 14 نوفمبر 1954م جاء اختياره من الضباط الاحرار الذين قاموا بالثورة، تزوج أربع مرات، الاولى «زينب أحمد» وانجب منها «سميحة» خريجة الحقوق، التى توفيت عام 1950م بعد اصابتها بسرطان الدم، ولأن زوجته لم تنجب ولدا، فقد تزوج من شقيقة أحد اصدقائه وهى «عائشة لبيب» والتى أنجب منها اولاده (فاروق، على ، يوسف) وفى أول زواجه أقاموا فى فيللا تمتلكها اسرتها بحلمية الزيتون ثم أقاما فى فيللا فى طومان باى بالزيتون أيضا وهى الزوجة التى عاشت معه فترة حكم مصر، وكان دورها مقصوراً على استقبال زوجات الحكام وكبار المسئولين، وبالطبع لا نستطيع هنا أن نقيم شخصيتها تقييما دقيقا، لان فترة حكم زوجها كانت عابرة وسريعة، ولم يذكر التاريخ عنه الكثير، إلا أن أهم ملامح شخصيتها كما قال حارسه الشخصى: انها كانت سمينة بشكل لافت للنظر، وقد ذهبت إلى مركز تأهيل بالعجوزة لإنقاص وزنها بعد إقالته من منصبه، كما كانت غيورة وهذا سبب زواجه الثالث، إلا انها كانت تفهم الرئيس نجيب، وتساعده على تحمل الصعاب، ويستريح لها نفسيا، وهى التى انتقلت معه واولادهما إلى منفى المرج.

 تحية الانفصالية

 - ظلت «تحية كاظم» قابعة فى الظل إلى جانب زوجها «جمال عبدالناصر» الذى كان يتمتع بكاريزما طاغية، وتعود بذاكرتها إلى قصة زواجهما حيث تقول فى مذكراتها نقلا عن جريدة الشروق: كان يحضر مع عمه وزوجته التى كانت صديقة لوالدتى لزيارتنا، ليقابل شقيقى الثانى، واحيانا كان يرانى ويسلم على، وعندما أراد أن يتزوج أرسل عمه وزوجته ليخطبانى، وكان وقتها برتبة يوزباشى «نقيب الآن» فقال أخى: الذى كان يعتبر- ولى أمرى بعد وفاة والدى- إن شقيقتى التى تكبرنى لم تتزوج بعد، وكان هذا رأى جمال أيضا، الذى رحب بعدم الزواج منى، إلا بعد زواج شقيقتى، وبعد عام تزوجت شقيقتى إلا أن أخى لم يوافق على زواجى، وقد كانت تقاليد العائلة أن أرفض من لا اريده، ولكن ليس لى الحق فى أن أتزوج من أريد، وكنت فى قرارة نفسى أتمنى الزواج من «اليوزباشى جمال» وبعد شهور قليلة توفيت والدتى، فأصبحت أعيش مع أخى بمفردى، وكان يريد تركتى لانه كان متخرجا فى كلية التجارة، وامتهن الاعمال المالية والصفقات فى البورصة، اذ كان أخى الثانى فى الخارج، مكثت مع شقيقى بضعة أشهر وأنا وحيدة تزورنى شقيقاتى من وقت لآخر، وفى يوم زارتنا كبرى شقيقاتى وقالت: أن عم اليوزباشى جمال وزوجته زاراها وسألا عنى، وقالا لها: إن جمال يريد الزواج من تحية، فرحب أخى ، وحدد يوم 14يناير 1944م موعدا للقاء، وفى يوم 21يناير تمت الخطبة، لكنه نقش على خاتم الخطبة تاريخ 14يناير، وعندما سألته أجاب: إنه اليوم الذى أتى لزيارتى، وتم الزفاف فى 29يونيو 1944م وقامت الثورة فى 1952 وتولى الرئاسة نوفمبر 1954.

 ولا أنسى انه فى يوم على الغداء مع الأولاد وجاءت ذكرى أخى قال ضاحكا: الوحيد الذى أملى علىّ شروطا وقبلتها هو «عبدالحميد كاظم»، وطوال 18عاما، كان الرئيس بالنسبة «للسيدة تحية» زوجا فقط، وقد اكتفت بدور محدود انحصر فى استقبال زوجات المسئولين والحكام وكان الرئيس «جمال» لا يرى ضرورة لأن تصاحبه زوجته فى سفره باعتبار ذلك رفاهية لا يرضى بها، وكان يتلقى من الرؤساء والملوك هدايا منها سيارات وطائرة، إلا انه سلمها للدولة، وعند زواج نجلته «هدى» أهدتها صديقة لها «ابنة سفيرة» ساعة مرصعة بالألماس، إلا أن «الرئيس جمال» لم يقبلها وحث ابنته على أن تكتب لصديقتها خطاب اعتذار رقيقاً مرفقاً بالهدية، والموقف الوحيد الذى تذكره الراحلة «تحية» أن الزعيم الراحل أطلق عليها لقب «تحية الانفصالية» توصيفا لمواقف وقناعات أبدتها حول قضية الوحدة المصرية السورية خاصة وأن الوحدة شيئ لم تكن تسترح له.

 قانون جيهان

 - عندما تحول النظام من ملكى إلى جمهورى، وزوجات الرؤساء حددن لأنفسهن دورا لا يتعدى استقبال زوجات المسئولين والحكام، إلا أن «چيهان صفوت رءوف» انقلبت علي هذا الدور منذ الأيام الأولى لتولى زوجها «انور السادات» رئاسة مصر، حيث أظهرت طموحا ظاهرا فى أن تكون سيدة قوية تتدخل فى شئون الحكم، وصنع القرارات وهى أول من حملت لقب «سيدة مصر الاولى»، وترجع قصة اللقاء الأول بينها وبين السادات إلى صيف 1948م بمدينة السويس لدى أحد أقاربها، وكانت وقتها فى الخامسة عشرة من عمرها، وقد أثرت فيها شخصيته من الوهلة الأولى، فأحبته وتزوجته فى مايو 1949م، بعد طلاقه من زوجته السيدة «إقبال ماضى» ام بناته الثلاث، بدأت السيدة چيهان نشاطها العام بداية الستينيات، إلا أن دورها بدأ يتبلور بعد تعيين السادات نائبا للرئيس جمال عام 1969م ثم اختياره رئيساً بعد وفاه جمال عام 1970م، وكانت بداية حكم السادات، بداية لدور سياسى جديد مثير للجدل فرضته «چيهان» على الحياة السياسية المصرية، وهو دور زوجة الرئيس، وبذلك أصبحت هناك مؤسسة توصف بأنها مؤسسة موازية لمؤسسة الرئاسة هى مؤسسة «زوجة الرئيس»، وقد شهدت مع الرئيس السادات كل الأحداث الهامة، وتبنت بعض المشروعات وعلى رأسها «مشروع تنظيم الأسرة» ودعم الدور السياسى للمرأة، قامت بتعديل بعض القوانين وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية- القانون 44 لسنة 1979م والذى يعرف حتى الآن بقانون چيهان، والذى نوقش بمجلس الشعب فى نفس العام، ثم حكم بعدم دستوريته لأنه صدر بقرار جمهورى فى عطلة مجلس الشعب.

 وعلى الرغم من زعم البعض أن السيدة چيهان كانت من شجعت زوجها على زيارة القدس، فقد كشفت الايام أنها لم تكن تعرف بموعد الزيارة، إلا حين طلب منها الرئيس أن تجهز حقيبته الخاصة التى اعتاد ان يصطحبها معه حين يعتزم المبيت بالخارج، وهذا يؤكد ما كشف عنه «د.محمود جامع» الذى كان صديقا ملازما للسادات، طوال فترة حكمه فى كتابه «عرفت السادات» أنه لم يكن يطلع زوجته على قراراته المهمة وأسرار الدولة، لكنه اضاف فى كتابه الذى أثار جدلا، أنها كانت تتجسس على السادات بمعرفة «فوزى عبدالحافظ» سكرتيره الخاص، وتسببت فى تقديم نائبه «حسنى مبارك» لاستقالته احتجاجا على صلاحيات منحت «لمنصور حسن» وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية على حسابه.

 تعديل الهوانم

 وقال جامع فى حوار لقناة العربية- تعليقا على حوار مثير أجراه معها الصحفى «جمال عنايت» فى قناة أوربت: إن تغيير المادة (77) من الدستور يجعل فترة الحكم مفتوحة وليست مدتين فقط، كان باقتراح من السيدة «فايدة كامل» زوجة وزير الداخلية الاسبق، عندما كانت عضوة بمجلس الشعب مع مجموعة من «العضوات» بالمجلس بإيحاء من السيدة «چيهان» وقد عرف بتعديل «الهوانم»، لكن السادات كان مصمما على ترك الحكم فعلا بعد انسحاب إسرائيل الكامل من سيناء، وقد أخبرنى بذلك شخصيا، ولم يكن يريد تغيير تلك المادة، وقد نفت ما ذكر فى حديث للمصرى اليوم فى العدد (993) قائلة: إن الرئيس السادات قد أخطأ بتعديل المادة (77) من الدستور والخاصة بمدة الرئاسة، واضافت: انه كان بشرا يخطئ ويصيب، وبعد حادث المنصة ورحيل السادات الذى لم يترك سوى ألف جنيه بالبنك، 7 أفدنة، وجزءاً باسم ابنه جمال، وجزءاً باسم چيهان، وهذا ما دعاها إلى القول فى مداخلة تليفونية مع عمرو أديب: إنها خابت هى والسادات، لأنها لم تجمع مليارات مثل ما حدث مع مبارك..

 سوزان وحلم السلطة

 - أما آخر سيدات القصر، فهى «سوزان صالح ثابت» التى تعرفت على الطيار الشاب «حسنى مبارك» عندما كان معلما على سرية تضم شقيقها، وتزوجا عام 1959م، وعملت مدرسة ابتدائى براتب (11) جنيها، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية بعد أن كانت قد انقطعت عن التدريس، وحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية عام 1977م، ثم درجة الماچستير فى علم الاجتماع عام 1982م، ورثت من السيدة چيهان السادات، لقب سيدة مصر الأولى إلا انها كانت تفضل لقب «الهانم»، وحذت حذوها فى الظهور فى مجال العمل العام والاجتماعى وممارسة مهمات وصلت فى بعض الأحيان إلى حد لعب دور سياسى ليرتبط اسمها بكثير من المجالس، القومى للمرأة، والطفولة والأمومة وأيضا القوانين، خاصة قانون الأحوال الشخصية وكوتة المرأة فى مجلس الشعب، والأخير ألغى بعد ثورة يناير 2011م والأول مازال يثار حوله الجدل حتى الآن بالطعن على شرعية الخلع لمجرد انه ارتبط باسم سوزان مع المطالبة بالغاء قانون الرؤية لنفس السبب، ولم تكتف سوزان بالعمل العام، لكنها قررت الاشتغال بالعمل السياسى، وقد كشفت بعض الوثائق الدبلوماسية الأمريكية منها موقع «ويكيلكس» الشهير أن سوزان مبارك كانت لاعبا سياسيا هاما، وهذا ما جعل السفارة الأمريكية تضع السيدة الأولى بوصفها واحدة من الشخصيات الخمس الأكثر تأثيرا على مبارك، مشددة على الحاجة لفتح قنوات اتصال معها، وتختتم البرقية التى أخذت تاريخ مارس 2006م، أن السيدة الأولى استطاعت تقوية الجناح الإصلاحى السياسى للقيادة، كما جاء أيضا فى الوثائق التى نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» أن سوزان كانت كؤيدة وبشدة لابنها جمال، وجاء فى برقية بتاريخ ابريل 2006م، أن سلطتها ونفوذها كانا مفتاحين لبقائه باعتباره المرشح الرئاسى القادم خلفا لوالده، حيث أشارت إلى تصميمها على منع زوجها من تعيين نائب له ، وقد أصبحت فترة حكم مبارك «فترة حكم العائلة» كما ذكرت حقائق مصر فى تحقيقها، دراما ثلاث عائلات حكمت مصر..

 - وختاما.. وقبل أن تخطو سيدة القصر الجديدة، أولى خطواتها على سلم القصر الرئاسى، لابد من تحديد دورها قانونيا ودستوريا، حتى لا تتكرر حكاية زوجات الرؤساء ودورهن الخفى والمعلن فى تحديد مصير الشعب ومقدراته

المصدر: مجلة حواء -ماجدة محمود

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,801,880

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز