كتبت :أمل مبروك

لاشك أننا عانينا كثيرا طوال العشرين عاما الماضية من محاولات التشتيت والتمييز العديدة بيننا .. مسلم ومسيحى .. رجل وامرأة .. غنى وفقير .. صاحب نفوذ وغلبان، ولهذا عندما قمنا بثورة يناير ورفعنا شعارات "عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية .. كرامة إنسانية " كانت كل أحلامنا تنحصر فى تحويل هذه الشعارات إلى واقع، لكننا تُهنا واحترنا وتأخرنا فى تحقيق أهدافنا التى لم نختلف عليها ، حتى عندما قمنا للمرة الأولى فى تاريخنا بانتخاب رئيس جمهورية - سواء اتفقنا على توجهاته السياسية أو اختلفنا - سيطرت علينا عقدة "التمييز" ومركب نقص "التشتيت" فاشترطنا على رئيس الجمهورية أن يعين نائبا مسيحيا وآخر امرأة ! ولم نفكر فى أهداف الثورة بالمطالبة بنائب للإنتاج - مثلا - لكى يحقق مطلب العيش من خلال إدارة الأيدى العاملة الحالية بكفاءة مع خلق فرص عمل جديدة للقضاء على البطالة ، ولم نفكر فى المطالبة بتعيين نائب للسيطرة على الأسواق وضبط الأسعار التى تلتهم زيادتها أى محاولات جادة للتطوير والتنمية ، ولم نفكر أيضا فى ضرورة أن يكون هناك نائب لرئيس الجمهورية يختص بالعدالة يكون همه الأول هو تعديل منظومة القوانين وتفعيلها وتطبيقها على الجميع دونما أى تمييز .. فتتحقق لنا بذلك مطالب الثورة

الخرائط المتشابكة

وبهذا تكون عُقد التمييز والتشتيت هى أخطر مظاهر الأزمة التي يعاني منها المصريون الآن، وتضع على عقولهم وقلوبهم أقفالاً وحُجُباً، تصدُّهم عن استئناف الريادة ومتابعة عجلة التطور الحضاري، و يمكن أن نسميها بـ "الطفولة السياسية".. إنها تلك الغشاوة التي تصيب البصائر وتحجب العقول، فتجعلها غير قادرة على إدراك واقع الناس بخرائطه المتشابكة، وتلمُّس احتياجاتهم، ومقاسمتهم همومَهم، وهى بالتالى تجعل المسئولين والمثقفين والنخبة غير مؤهلين لإيجاد حلول نافعة ومعالجات مبتكرة للمشكلات والأزمات، وغير مُبْصرين لشروط التقدم، وسُنن التغيير والإصلاح.

ونستطيع أن نتلمس آثار الطفولة السياسية في جملة من المظاهر والأعراض، مثل انعزال النُّخَب المثقَّفة عن واقع المجتمع، الذي من المفترض أنهم جزء منه، ويعبِّرون عنه، ويجسِّدون أحلامه وأشواقه، ويرسمون له طريق الإصلاح والتطور، فبدلا من أن تكـون هـذه النُّخب "هُدَاةَ طريق" و "طليعةَ بعثٍ حضاري"، نراهم ينشغلون بقضايا فلسفية محضة، لا تَمُتُّ للواقع بِصِلَة، ولا تمسُّ هموم الناس من أي زاوية، كالغرق فى مستنقعات التوجهات السياسية لصاحب أى فكرة إصلاحية وتبنى نظرية المؤامرة كلما أراد البعض تطهير الفساد ..لافرق فى ذلك بين "الإخوان المسلمين" أو "6 أبريل" أو .. أو.. ! وبغض النظر عن قيمة وأهمية الفكرة المطروحة !

وتتجلى هذه المظاهر أيضاً في ضعف الخطاب الديني لغةً ومضموناً، وعدم قدرة هذا الخطاب على مجاراة تطور الحياة والقضايا المستجدة مع المحافظة على الأصول والثوابت، وعدم تقديم رؤية إصلاحية تستطيع إصلاح الدنيا بالدين، وتسهم في البناء الحضاري، وغرس قيم الإيجابية والإتقان والإعمار.

المصارحة والمكاشفة

من المؤكد أنه توجد عدة عوامل متشابكة ومترابطة - داخلياً وخارجياً - قد أسهمت في تفشي الطفولة السياسية في واقعنا المعاصر، وإحداث هذه الفجوة الهائلة بين ماضٍ مشرق استطاع المصريون فيه أن يشيِّدوا حضارات زاهرة ما زالت لها شواهد ناطقة ، وبين واقعٍ متدهورٍ يَئِنُّ تحت وطأة مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا حصر لها.

وإذا اتفقنا على ضرورة المصارحة والمكاشفة، ومواجهة النفس - على مستوى الفرد والمجتمع - بعيوبها وأخطائها؛ وأنه لا مفر من ذلك للخروج من منعطفنا الحضاري، فيجب أن نعترف أنه في مقدمة أسباب تلك الطفولة السياسية: الاستبداد السياسي الذى طالما عانينا منه فى ظل النظام السابق، والذي كان يتصوَّر الناسَ دائماً أطفالاً لم يبلغوا سنَّ الرشد، ولا يستطيعون إدارة شئونهم بأنفسهم، فيفرض عليهم وصايته، ويمارس عليهم هيمنته، ويحدد لهم طريقاً واحداً في التفكير والحياة، دون أن يعمل على توفير البدائل، وإيجاد فرص متنوعة وخلاَّقة، ودون أن يغرس في الناس أهمية المشاركة في العمل العام، وضرورة تحمُّل المسئولية تجاه وطنهم وأمتهم، الأمر الذي أثِّر في الناس بالسلب، وجعلهم بعد فترة من الزمن ينسون أن لهم عقولاً، وأنهم قادرون على الاختيار، وتحمِّل المسئولية، وتقرير مصيرهم بأيديهم.

ولذلك نقول لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء : إنه يمكن للمصريين أن يعودوا مرةً ثانية إلى الرُّشد الفكري، والنُّضج الحضاري، وسابق مجدِهم وتفوُّقِهم العلمي ، اذا بدأتم انتم بالتفكير  في هموم الناس والتي ياتي في أولها ضبط الاسعار والسيطرة على الغلاء الفاحش الذي يعاني منه الغالبية العظمى من المصريين وهو امر ليس  بالمستحيل ولن يستغرق وقتا طويلا ، وفي نفس الوقت سيشعر معه الناس أن الثورة بدأت تظهر نتائجها فيهدأون قليلا ... خاصة اذا تواجد معه بالتوازي احساسهم بعودة الامن الى الشوارع والمنازل وأماكن العمل...اذا نجحتم في هذين المطلبين يمكنكم انتم بعد ذلك أن تعملوا في تحقيق باقي المطالب ومواجه9ة كل المشاكل بهدوء ودون اعتراضات شعبية صارخة ..فما رايكم دام فضلكم ؟.

 

المصدر: مجلة حواء- امل مبروك

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,728,873

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود