قصه بقلم-  محمود احمد على

القطارجلسا على الأريكة الرخامية داخل محطة القطار..

يأتى قطار..

ويذهب قطار..

وهما جالسان فى سعادة لا يفصل بينهما شىء سوى كتب الكلية.

هو.. لم يتوقف لحظة واحدة عن إلقاء قصائده التى كتبها ليلة أمس تغزلاً فى جمالها.. جمالها الذى لا يشبهه جمال.

هى .. غارقة فى بحر من الهيام تستمع فى سعادة إلى أحرف كلماته التى تشعرها وكأنها ملكة جمال هذا العالم..

يأتى قطار..

ويذهب قطار..

الشمس القابعة فى صدر السماء راحت تستعد كى تركب سفينتها وترحل نحو الغروب إيذانا بدخول الليل..

قالت له بصوتها الذى يشبه زقزقة العصافير:

- القطار جاى أه ه .. يالا عشان نروح.. الليل ليل علينا.

توقف عن قراءة قصائده وراح يقول :

- خلينا نركب القطار اللى بعده..

صحكت ثم أردفت قائلة:

- كل قطار يجى تقول خلينا للى بعده.. ده آخر قطار.. إنت عاوزنا نروح ماشيين..

توقف القطار..

رمى بجسده النحيل من شرفة القطار بسبب الزحام الشديد على بابه..

جلس على كرسى ووضع كتبه على كرسى المجاور له حتى يتسنى لها الدخول إلى القطار فى هدوء وحتى تجد مكاناً عند دخولها فيه..

وقطار..

نفس محطة القطار..

هو .. يقف منتظراً قدوم القطار ممسكا بين يديه ولديه..

علامات القهر والألم بادية على وجهه..

هى تقف ممسكة بابنتيها، ومن حين لآخر تنظر إليه..

وإلى فمه الذى أغلق (بالضبة والمفتاح) راحت تسأله فى صمت :

- شهريار أين أشعارك التى انقطعت فجأة ..؟!

أجبنى ألم تعرفنى أنا شهرزاد..!!

أجبنى بالله عليك أين الأحلام والأشعار والذكريات الجميلة ؟!

أين أنت منى الآن ..؟!

راحت تقول له فى تمن:

- ما تجيى نقعد شوية لما يجى القطار..

بدا مفلساً لا يعرف كيف يرد عليها..

عادت تقول فى رجاء:

- عشان خاطرى يا حبيبى..

رسم ابتسامة باهتة لا طعم لها ولا لون على وجهه المثقل بالأحزان..

شعرت أنها امرأة مهزومة هزمتها الأحلام الخائبة.

فجأة..

وجدت نفسها تحدق بشدة فى الأريكة الرخامية التى كانا دوماً يجلسان عليها..

راحت تبحث وتفتش عن اسميهما- واللذين أصر هو على كتابتهما على جدار المقعد- فلم تجد منهما حرفاً واحداً..

انهمرت الدموع الغزيرة على وجنتيها الشاحبتين الناعمتين.

جاء القطار..

نفس القطار الذى كان يرفض ركوبه لأنه لم ينتهه من قراءة قصائده..

نفس السائق الذى اسود لون وجهه، وانتشر الشعر الأبيض بكثرة فى رأسه..

تبسم عندما وقعت عيناه عليها كاشفاً عن فم كبير خال تماماً من الأسنان..

القطار منتفخ عن آخر براكبيه..

راحت تقول له:

- القطار زحمة بلاش نركبه.. خلينا نركب اللى بعده..

يصرخ فى وجهها:

-لأ .. لأ

قالت فى يأس:

- زحمة القطار ممكن تموت الأولاد ..

رد فى حدة:

- يموتوا ..

قالت فى حزن :

- إحنا ممكن نموت.. ويموت كل شىء جوانا..

- نموت ..

كلماته خناجر حادة راحت تذبحها ..

- ياللا ..

قالها فى عصبية شديدة وهو يدفعها دفعاً بقوة وأطفالها الأربعة داخل فم القطار الممتلئ عن آخره غير عابئ بصرخات أطفاله وزوجته

المصدر: مجله حواء- محمود احمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 245 مشاهدة

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,801,879

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز