تمثل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا خصبة للتأمل ومدرسة جيدة للاقتداء بها.. تخرج منها ساسة وقادة ودعاة فتحوا البلدان وأنقذوا الإنسان بحكمة التفكير ورجاحة العقل.. ولعل الحكمة هى أكبر نعمة يمنحها الله تعالى لبعض عباده: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا"، وفى ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم دعونا نتأمل قليلا فى سيرته وما اعترضه من مشكلات لنتعلم كيف استخدم ذكاءه وحكمته فى معالجتها، وكلنا نذكر مشكلة الحجر الأسود التى تعد من أبرز الأمثلة على ذلك قبل بعثته، وبعد البعثة واجه المسلمون الكثير من الأزمات المختلفة مثل تعذيب كل من يشهر إسلامه والحصار فى شعب أبي طالب ثم بعد الهجرة أخذت المواجهات بين المسلمين والكفار اتجاها أشد ضراوة حتى عرف أعداء الإسلام بعد الحروب الطويلة أن القضاء على هذا الدين وأهله لن يتم باستخدام السلاح.. فقرروا أن يشنوا حربا دعائية واسعة وأن يجعلوا شخصية الرسول أول هدف لهذه الدعاية، وذلك من خلال المنافقين من سكان المدينة الذين كانوا يستفزون المسلمين ويمارسون حربا نفسية عليهم.. حتى طالت بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فيما عرف بحادثة الإفك ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم استطاع الإمساك بزمام هذه الصعاب والوصول بالمسلمين إلى بر الأمان بإدارته الواعية لتلك الشدائد من حيث إدراك الواقع على ما هو عليه والحكمة فى معالجة الأمور والاستفادة من الأزمة لما بعدها والعمل على عدم تكرارها وكسب أرض جديدة منها حتى تكون المحنة منحة.
ومما يؤكد تحلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعقل والذكاء موقفه الرصين عندما تنشب الفتن فيسرع إلى إخمادها وإبطال مفعولها، فقد كادت نار الفتنة أن تشتعل بين الأوس والخزرج عندما مر اليهودي شاس بن قيس على جماعة من الأنصار فغاظه ما رأى من اجتماعهم، فأمر شابا يهوديا أن يجالسهم ويذكر يوم "بعاث"الذى وقعت فيه حرب ضارية بين الأوس والخزرج وعزم كل طرف أن يهدم بيوت عدوه ويحرق زرعه، وبالفعل احتدم الكلام بين الطرفين حتى شتم أحدهما الآخر فاشتعل العراك وخرجوا لبعضهم البعض بالأسلحة، وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الخبر فقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام واستنقذكم من الكفر وألف بين قلوبكم؟" فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد يهود فبكوا وتعانقوا وأطفأ الله كيد العدو بحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاحة عقله.

لقد كانت له عليه السلام طريقة فريدة فى إدارة الأزمات تجعله ينهى مواطن الخلاف بشكل قاطع، ويحمى معها المجتمع الإسلامي من آثار الأزمة.. بل ويعمل على الاستفادة من الموقف الناتج عن الأزمة في الإصلاح والتطوير واتخاذ إجراءات الوقاية لمنع تكرار الأزمة أو حدوث أزمات مشابهة لها.. وهذا هو أكثر مانحتاجه اليوم، فليتنا نتأمل سيرته صلى الله عليه وسلم ونحاول الاقتداء بها فى القادم من أيامنا.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 289 مشاهدة
نشرت فى 10 يناير 2015 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,442,447

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود