سمر عيد

فى الوقت الذى تسعى أجهزة الدولة بمختلف مؤسساتها إلى توفير حياة كريمة للمصريين ورفع مستوى معيشتهم من خلال برامج الدعم النقدية والمبادرات الرئاسية إلا أن تلك الجهود تقف عاجزة عن تحقيق هذا الهدف أمام كثرة الإنجاب وتزايد أعداد السكان يوما تلو الآخر والذى يلتهم أى مظهر للتنمية ويتسبب فى تدنى مستوى معيشة الأسر ليتحول من سبيل لزيادة الدخل كما يدعى البعض إلى بوابة للفقر وضيق العيش.

البداية مع رحاب محمد، إحدى العاملات بمصنع ملابس والتى وقعت ضحية لرغبة أهل الزوج فى إنجاب الذكر الذى لم تضعه إلا في حملها الخامس، لتصبح بعد سنوات قليلة من زواجها أمام الخمسة أبناء، وتقول: بسبب كثرة الأولاد بدأ زوجي يشكو من كثرة المصاريف وأعباء الحياة، ما دفعه إلى التفكير فى عدم تعليم الفتيات، لكننى تمسكت برغبتى فى إلحاقهن بالمدرسة وعدت للعمل بمصنع ملابس لمساعدته على توفير المصروفات اللازمة، ومع دوامة العمل والوقوف لساعات طويلة على قدمى بجانب المهام المنزلية شعرت بالإعياء، وعندما ذهبت للطبيب أخبرني أنني معرضة للإصابة بهشاشة العظام نظرا لحملي المتكرر.

أما ريهام أحمد، مدرسة علوم بإحدى المدارس الخاصة فكان كثرة إنجابها سببا فى تدهور حالتها الصحية وزيادة وزنها وإهمالها مظهرها وبالتبعية إنشغالها عن زوجها الذى لم يتردد فى الارتباط من أخرى ترضى رغباته دون أن يفكر فى أن ولادتها المتكررة كانت إرضاء له، وبعد طلاقها باتت تتردد على أروقة المحاكم للحصول على نفقة أبنائها الشهرية التى لا تكفى لإطعامهم.

كارثة اجتماعية

بعد مرور الساعة الأولى من عام 2024 سجل عدد السكان في جمهورية مصر العربية 105مليون و854 ألفا و650 نسمة وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبرز سؤال مهم في أذهان خبراء الخدمة الاجتماعية: كيف سيصبح حال شوارعنا ومدارسنا ومستشفياتنا بعد مرور 10 سنوات أخرى؟! تقول د. نورا رشدي، أستاذة الخدمة الاجتماعية: تتسبب زيادة عدد السكان فى مشكلات اجتماعية لا حصر لها منها عمالة الأطفال وتسربهم من التعليم، وزيادة الجرائم والانخراط في الجماعات الإرهابية، والزيادة السكانية قنبلة موقوتة وهي قد لا تنفجر في وجه مؤسسات الدولة وحدها، ولكنها تنفجر في وجه الزوج الذي سيضطر للعمل في أكثر من مكان كي يفي بالتزامات الأسرة، وستنفجر في وجه الزوجة التي ستخسر صحتها ونفسيتها وزوجها وبيتها وعملها ومظهرها وكل شيء تقريبا، وهي قنبلة في وجه أطفال الأسرة كبيرة العدد؛ حيث لن يحظى كل طفل بالاهتمام الكافي من أبويه، كما أن كثرة الإنجاب عبء على الدولة؛ لأن الحكومة ستكون مطالبة بتوفير أماكن في المدارس والجامعات والوظائف، ناهيك عن متطلبات قطاع الصحة والمستشفيات.

رغم تقديم الحكومة العديد من الحوافر للاكتفاء بإنجاب طفلين إلا أن الحملات التوعوية لم تؤت الثمار المرجوة منها، لذا يرى د. أحمد البهي، أستاذ العلوم النفسية والتربوية والعميد السابق لكلية التربية النوعية بجامعة المنصورة أن التعليم والعمل أهم سلاحين في قضية تنظيم الأسرة، وأهم من العقوبات أو الحوافز المادية، ويقول: مع زيادة أسعار الغذاء عالميا أصبح من الصعب جدا أن تنجب الأسرة أكثر من طفلين، وتتكفل برعياتهما وتربيتهما، والحقيقة أن الأسرة الكبيرة كل أفرادها متضرر جسمانيا ونفسيا وماديا واجتماعيا، لكن المرأة هي المتضرر الأول، لذا أدعو إلى إلزام كل الأسر في كافة أنحاء مصر بتعليم الفتيات حتى الثانوية العامة على الأقل، كما أدعو إلى زيادة حجم التمكين الاقتصادي للمرأة بحيث تكون مستقلة عن الزوج في مصدر دخلها لأن أغلب النساء ينجبن تحت ضغط من الزوج وعائلته؛ نظرا لعدم استقلاليتهن المادية، وقد أثبت الواقع أنه كلما تعلمت المرأة وحصلت على الدرجات العلمية والتحقت بوظيفة أو أسست مشروعا كانت أقل إنجابا واكتفت بطفل أو طفلين فقط نظرا لانشغالها بعملها أو مشروعها.

اربطيه بالعيال

تقول د. ميري عبدالله، أستاذة علم النفس: تعتقد بعض السيدات أن كثرة الإنجاب تفريغ لطاقتهن وإثبات وجود خاصة فى المجتمعات التى ترى كثرة الإنجاب عزوة، لذا أرى ضرورة تغيير العادات والتقاليد التى تشجع على كثرة الإنجاب من خلال زيادة الحملات التوعوية والتى من شأنها تشكيل الفكر وتغيير الثقافة.

أما د. السيد أحمد محمود صقر، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية النوعية بجامعة كفر الشيخ فيقول: كثرة الإنجاب مشكلة متشابكة جدا، فبينما يرى البعض أن الأبناء مصدر دخل في المستقبل، يرى آخرون في طبقات ثرية أنهم "عزوة" وأنهم من سيرثون الأرض والمزارع والمشاريع، والزوج الذي يطالب الزوجة بكثرة الإنجاب هو نفسه من سيهرب من هذه العلاقة إذا شعر بالضجيج وعدم الراحة في منزله أو أهملت زوجته في اهتمامها بنفسها أو انشغلت عنه بالأطفال أو تغير شكلها وسيبحث عن امرأة أخرى، ومما لا شك فيه أن كثرة الإنجاب سيؤدي إلى تفاقم المشكلات بين الزوجين وقد يصل الأمر إلى الانفصال والذى يترتب عليه الكثير من المشكلات الاجتماعية.

أضرار صحية

تلقى د. إيمان عبد الباسط، الأستاذ المتفرغ للصحة العامة وطب المجتمع بكلية الطب جامعة سوهاج الضوء على الأضرار الصحية التى تلحق بالمرأة نتيجة كثرة الإنجاب قائلة: تتعرض المرأة نتيجة كثرة الإنجاب وعدم ترك فترة كافية -على الأقل أربع سنوات بين كل حمل وآخر- إلى العديد من الأمراض منها؛ تضخم الرحم وتمدد أربطته أو سقوطه أو خرج جزء منه عن مكانه الأمر الذي قد يستوجب تدخل جراحي، كما أن تكرار الولادة القيصرية يؤدي إلى ضعف النسيج الليفي للبطن وظهور الفتق لدى بعض السيدات، بينما تكرار الولادة الطبيعية قد يؤدي إلى كوارث لا حصر لها، وقد تدخل السيدة في مجموعة جراحات لعلاج تداعياتها، بالإضافة إلى نقص الكالسيوم وهشاشة العظام ونقص الحديد والبروتين ما يتسبب فى خلل في وظائف الكبد والبنكرياس.

وتتابع: أما من الناحية النفسية فهناك ما يسمى باكتئاب الحمل واكتئاب ما بعد الولادة، ونتيجة للآلام الجسدية التي تصاحب الحمل والولادة والإرضاع تختل ساعات النوم لدى المرأة وقد لا تحصل على الراحة الكافية الأمر الذي قد يدخلها في دوامة الأمراض النفسية، ناهيك عن الحالة النفسية السيئة التي تصاحبها لزيادة وزنها بعد الحمل وتمدد البطن وتغير شكلها، حيث يفقدها ذلك الثقة بنفسها ويشعرها بفقدان جمالها وقوامها، أما بالنسبة للأطفال فكثرة الإنجاب تؤدي إلى أن الجنين يولد مبتسرا أي غير كامل ويحتاج إلى حضانة، أو يولد حجمه غير طبيعي ومصاب بالصفراء، كلها أمور حقيقة نستطيع أن نقي أنفسنا منها بتقنين الإنجاب، والتباعد بين فترات الحمل.

المصدر: سمر عيد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 313 مشاهدة
نشرت فى 23 فبراير 2024 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,427,031

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز