بقلـــم : د. داليا مجدي عبد الغني

كثيرًا ما كنت أسمع لفظ "عورة" مُرتبط بالنساء، فهذا اللفظ يتردد كثيرًا على لسان الرجال بشأن المرأة، فهم يرون أن كل ما يخص المرأة فهو عورة، وبالطبع هذا ليس رغبة منهم في حمايتها والحفاظ عليها، ولكنه نوع من أنواع فرض السيطرة عليها بحُجة أنها عورة, فأذكر أن البعض ردد مقولة أن صوت المرأة عورة، ورغم أن هذا الأمر يحتاج إلى فقيه لكي يرد على تلك المقولة، ولكنه بحكم قراءاتي أعلم أن "الشيماء" أخت الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الرضاعة، لُقبت بـ"شادية الإسلام"، لأنها كانت تتغنى بالأناشيد التي ناصرت بها الإسلام والرسول، علاوة على أن المرأة كانت تُساعد الرجال في الحُروب والغزوات لنُصرة الإسلام والمُسلمين، وعليه فإنها كانت تتفاعل مع الحياة، وكان لها دورمُؤثر، فلم تكن تنفي نفسها في الحرملك لأنها "عورة".

وهناك من يُفضل مُناداة المرأة باسم أخيها أو ابنها أو زوجها بحُجة أن اسمها عورة، وكم هو مُضحك أن أقول أن الكثيرين يفعلون هذا الأمر حتى الآن، ظنًا منهم أن ذلك حماية وصونًا لها، وكأن اسمها عورة بالفعل لابد من مُواراتها وإخفائها، وهؤلاء تناسوا أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) كان يُنادي أم المؤمنين "عائشة بنت أبي بكر الصديق" باسمها، وبالتبعية تزايد الأمر، واستفحل تدريجيًا حيث إنه كان في مجال العمل قبل سابق كان يتم تنحية المرأة عن الوظائف القيادية، أو الأعمال الخاصة التي من أهم مُتطلباتها السفر والاختلاط بالآخرين بحُجة أنها امرأة، وأن هذه النوعية من الأعمال تحتاج إلى رجل، وبالطبع لم يكن المقصود بكلمة "رجل" احتياج العمل إلى قُوة جُسمانية، بل المقصود أن الرجل أقوى في طبائعه، ولن يتعرض لسخافات، وأنه ليس مطمعًا للغير، وأن أي سلوك سوف يصدر منه لن ينال منه على الإطلاقلأنه رجل، والرجل لا غُبار عليه في أي سلوك أو فعل يأتي به من وجهة نظر المجتمع, وعليه كان هذا الأمر حُجة لإقصاء المرأة عن تحقيق أحلامها، واعتلاء عرش المناصب القيادية، بحُجة حمايتها وصون كرامتها، وكأنها طفل رضيع، أو شخص عديم الأهليةليس لديه القُدرة على حماية نفسه، وليس لديه الإرداة للتحكم في رغباتهوالسيطرة على أهوائه.

وإذا تحدثنا عن المظهر الخارجي، فمما لاشك فيه لن تسلم المرأة من النقد، لأنه إذا كان صوتها واسمها عورةفما بالنا بجسدها، فبالطبع فهو عورة بلا جدال أو نقاش، فليس من حقها أن تتزين وتشعر بجمالها وأنوثتهاحتى لو لم تخالف النظام العام والآداب، المُهم أنها محل نقد وتحليل الغير، فمن حق الأب والزوج والأخ أن يُبْدي رأيه في موضوع زيها ومظهرها الخارجي، وكأنها أمام لجنة مُصنفات فنية، أو جهة رقابية تفحص الزي قبل إجازته للارتداءوننسى أو ربما تتناسى أنها إنسان ومخلوق من لحم ودم، من حقه أن يتحكم في كيانه، ويشعر بذاته، ويستمتع بالنعم التي حباه الله بها، طالما أنها لا تخرج بذلك عن المألوف، ولا تُصادر على حرية الآخرين.

والأدهى من ذلك هو اعتبار المجتمع أن مشاعر المرأة أيضًا عورة، بمعنى أنها ليس من حقها أن تشعر بالحُب، ولا أن تُفصح عنه، لأن ذلك مُنافي للأخلاق، والحقيقة أنا لا أدري منذ متى ومشاعر الإنسان وإحساسه بأنبل المعاني يُعتبر عورة، فالحُب من المشاعر الإنسانية النبيلة التي لا إرادة للإنسان عليها، فالإنسان يُمكنه أن يتحكم في تصرفاته، أما مشاعره فهي ملك لله وحده يُقلبها كيفما يشاء، ولكن دعونا نتذكر سلوكيات الآباء والأمهات مع أبنائهم في فترة المُراهقة، فلو حدث وشعر الوالدان أن ابنهما يعيش قصة حُب، يأخذا هذا الأمر على محمل المزاح والسخرية، وأيضًا لشعورهما أن ابنهما أصبح رجلاً تنجذب إليه الفتيات، أما لو حدث واكتشفا هذا الأمر بالنسبة للفتاة، فيتعاملان معها على أنها خرجت على الشرعوالدينوالقانونوالأخلاق، ولو سمحت لهما الظروف سيُقيمان عليها الحد، أو يحكما بنفيها في حُجرتها طيلة العمروكأنها ليست بشرا ومُعرضة لأن تشعر بالحُب مثل الولد تمامًا.

وهذا بالنسبة للوالدين، أما بالنسبة لشريك حياتها، فهو لن يتهاون في تقبل فكرة أن خطيبته خفق قلبها لشخص قبله حتى لو كان بينها وبين نفسها، فهذا فيه إساءة بالغة لكرامته ورُجولته من وجهة نظره، وسيحكم عليها فورًا بأنها سيئة الخُلق، ولا تستحق شرف حمل اسمه الكريم، ولن تكون أمينة على بيته وأولاده في المُستقبل، وهذا الحُكم أيضًا سيصدر في حالة قُبولها تقبل مشاعره قبل إعلان الخطبة، حتى لو لم تسلك أي سلوك شائن، فهي من وجهة نظره في هذه الحالة إنسانة مُستهترةوطالما أحبته، ربما كانت ستُحب غيره لو كان عرض مشاعره عليها، أما هو فلا مراء في أن تغفر له أي شيء فعله قبل ارتباطه بها، حتى لو كانت سُلوكياته تُخالف كُل المبادئ والقيم والشرع والدين والأخلاق، فالمُجتمع ذاته سيغفر له، بل سيتناسى كل أفعاله طالما أنه قرر أن يستقر ويتزوج، أما هي فمُجرد المشاعر البريئة غير مُصرح بها لها لأن مشاعرها "عورة".

والسؤال الآن هو هل مأكل ومشرب وتنفس المرأة "عورة أم لا؟!" أوليست هذه هي المرحلة اللاحقة لوأد روح المرأة تمامًا لأنها "عورة".

المصدر: بقلـــم : د. داليا مجدي عبد الغني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 172 مشاهدة
نشرت فى 23 سبتمبر 2021 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

13,183,573

رئيس مجلس الإدارة:

أحمد عمر


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز