
أماني ربيع
من داخل الفصول الدراسية بدأت مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي تدرس إلى طلاب المرحلة الثانوية، في محاولة لإعداد جيل لا يكتفي باستخدام التكنولوجيا، وإنما يفهم كيف تعمل ويتعامل معها بوعي، وربما يشارك يوما في تطويرها وصناعتها، فكيف استقبل الطلاب هذا التطور العلمي؟ وما الذي يمكن أن تضيفه البرمجة إلى طريقة تفكيرهم؟ وهل يكون الفصل الدراسي هو البداية لاكتشاف مبرمج أو مبتكر جديد؟
في البداية تقول سناء عبد الدايم، ربة منزل ووالدة طالب بالمرحلة الثانوية رد فعلى الأول تجاه إدخال مادة البرمجة كان القلق، خاصة مع كثرة المواد الدراسية التي كان القلق، خاصة مع : يدرسها الطلاب في البداية كان ابني يقول إن البرمجة مادة صعبة، وظل يتساءل لماذا عليه أن يدرسها، لكن مع التطبيق بدأ يتعامل معها باعتبارها لعبة ذهنية وتحديا ممتعا، وعندما كان يواجه مشكلة يحاول تقسيمها إلى خطوات، ويبحث بنفسه عن الخطأ بدلا من انتظار الحل جاهزا.
وتتفق معها السيدة منى حسن، ربة منزل، مؤكدة أن ابنتها كانت تستخدم الهاتف والحاسوب بصورة يومية. دون أن تفكر يوما في كيفية عمل التطبيقات التي تعتمد عليها، وتقول: دراسة المادة جعلتها تسأل: كيف يعمل هذا التطبيق؟ ومن الذي صممه؟ وهل أستطيع أنا أن أصنع شيئا مشابها؟ وهذا الفضول في حد ذاته مكسبا كبيرا . أما السيدة عبير صفوت مدرسة، فترى أن من أهم مزايا تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي في المدارس قدرتهما على اكتشاف مواهب وقدرات قد لا تظهر بالضرورة في المواد الدراسية التقليدية، فليس كل طالب متفوقاً في الحفظ أو الكتابة، وهناك من يمتلك قدرات كبيرة على التفكير المنطقى والتحليل وحل المشكلات. لكنه ربما لم يجد من قبل المجال المناسب للتعبير عن هذه القدرات يجد .
واكتشاف ميولهم وقدراتهم. . مواكبة المعايير العالمية من زاوية أخرى يرى محمد مصطفى، طبيب، أن وجود مثل هذه المواد داخل المدرسة يحقق قدرا أكبر من العدالة التعليمية، لأن تعلم البرمجة كان يحتاج في كثير من الأحيان إلى الالتحاق بدورات خاصة قد لا تكون متاحة لجميع الأسر، بينما اتاحتها ضمن المناهج الدراسية تمنح عددا أكبر من الطلاب فرصة التعرف إلى هذا العالم
پری د.ع د. عادل النجدي استاذ المناهج وطرق التدريس. أن البرمجة لم تعد مهارة مقتصرة على المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، بل أصبحت من المعارف الأساسية التي يحتاج إليها طلاب المرحلة الثانوية، خاصة مع الاتجاه المتسارع للعالم نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويقول إن تدريس البرمجة أصبح هاما في المدارس. وهو يعكس إدراكا لأهمية إعداد الطلاب المتطلبات العصر يعكس الجديد، فالطالب اليوم يحتاج إلى فهم أساسي للبرمجة والخوارزميات، ليس بالضرورة ليصبح مبرمجا محترفا، وإنما ليكون قادرا على فهم التكنولوجيا التي أصبحت جزءا اساسيا من حياته ومستقبله، كما أن أهمية البرمجة لا تتوقف عند تعلم لغة برمجية، وإنما فيما تمنحه للطالب من طريقة جديدة للتفكير، حيث يتعلم تحليل المشكلة وتحديد أسبابها وتقسيمها إلى خطوات، ثم بناء الحلول واختبارها وتصحيح الأخطاء، وهي مهارات تتجاوز حدود مادة الحاسب الآلي لتدعم التفكير المنطقي والنقدي والإبداعي واتخاذ القرار، كما تمنح الطالب فرصة لتحويل أفكاره إلى تطبيقات ومشروعات حقيقية.
ينبغي ويتابع: إدخال البرمجة في التعليم الثانوي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إضافة مادة جديدة إلى جدول دراسي مزدحم، وإنما استثمارا في عقل الطالب وقدرته على التعلم والابتكار وحل مشكلات المستقبل، فالهدف الحقيقي ليس تخريج جيل من المبرمجين فقط، وإنما جيل يفهم التكنولوجيا، ويستطيع إنتاجها، ولا يكتفي باستهلاكها.
تعليم يواكب العصر الرقمي. يقول د. حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة
عين شمس إن العصر الرقمي يفرض ضرورة تطوير المناهج الدراسية لمواكبة تطورات العصر، وما يرتبط به من رقمنة وتطبيقات تكنولوجية متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والانترنت والروبوتات والحوسبة السحابية. فالتعليم الحديث لم يعد قائما قائما على تلقين المعلومات فقط، وإنما على بناء بيئة تعليمية محفزة للإبداء، تمكن المتعلم من التكيف مع المتغيرات المتسارعة وتساعده على التعامل مع أدوات العصر الرقمي، لذا لا يمكن أن تغفل أهمية نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي بين الطلاب وتعريفهم بإمكاناته واستخداماته في مجالات التعلم الشخصي والتعلم التكيفي والتعليم عن بعد، إلى جانب البرمجة والتعلم باستخدام الحاسب والألعاب التعليمية. فهذه المفاهيم أصبحت من متطلبات تعليم المستقبل. لأن الغاية الأساسية من التعليم يجب أن تتمثل في تنمية التفكير العلمي والتفـ والتفكير الإبداعي، وبناء إنسان جديد قادر على التعامل مع متغيرات العصر، كما تمثل أساسا مهما للمسارات المختلفة في نظام الدراسة بالمرحلة الثانوية. والتعليم الجامعي والذي أصبح يعتمد بدرجة أكبر على قدرة الطالب على جمع المعلومات وتصنيفها ونقدها وتوظيفها، ليس فقط في حل المشكلات التعليمية، وإنما أيضا في مواجهة مشكلات الحياة بحلول مبتكرة تعتمد على التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبرمجة الإبداعية. بناء القدرة على التفكير
من جهتها، ترى د. بثينة عبد الرؤوف، الخبيرة التربوية أن تدريس مادة البرمجة في المدارس أمر ضروري يواكب المعايير العالمية في التعليم، مؤكدة أن القيمة الحقيقية لتدريسها لا تتمثل في تخريج آلاف المبرمجين، وإنما في بناء قدرة الطالب على تحليل المشكلة وتقسيمها إلى أجزاء، وترتيب خطوات الحل، واكتشاف الأخطاء وتصحيحها.
وتقول: الهدف ليس تحويل كل الطلاب إلى مبرمجين. وإنما منحهم طريقة جديدة للتفكير، ففي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا لغة المستقبل، لم يعد تعليم الأبناء هذه اللغة مبكرا اختيارا يمكن تأجيله، بل أصبح استعدادا ضروريا لمواكبة متغيرات العالم
المعلم.. كلمة السر نجاح أي تجربة تعليمية لا يتوقف على المنهج وحده وهنا يضع الخبير التربوي توفيق المحمدي، المعلم في قلب المعادلة، ويرى نجاح تجربة إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي إلى المدارس لن يعتمد على جودة المنهج فحسب، وإنما أيضا على قدرة المعلم على تقديم بطريقة مناسبة ومحفزة ولهذا كان هناك اهتمام المادة بطري ملحوظ بتدريبه على هذا المجال العلمي.
ويقول: إن المعلم في هذه المواد يجب ألا يكون مجرد ناقل للمعلومة، بل موجها يساعد الطالب على التفكير والتجريب واكتشاف الحلول بنفسه، محذرا من أن تتحول البرمجة إلى مادة تعتمد على حفظ التعريفات والأوامر لأن جوهرها قائم على التطبيق والتجربة، فالقيمة الأهم في تدريس هذه المادة تتمثل في بناء عقلية قادرة على التعلم المستمر، فالتكنولوجيا التي يتعلمها الطالب اليوم قد تتغير بعد سنوات قليلة، لكن القدرة على التفكير المنطقي والتعلم الذاتي والبحث والتكيف مع الأدوات الجديدة ستظل مهارات يحتاجها الإنسان طوال حياته وهذا هو هدف تدريس هذه المواد. ضرورة وليست رفاهية
يختتم الخبير الرقمي حسام مدين، الحديث بالتأكيد على أن إدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي إلى المدارس أصبح ضرورة وليس رفاهية، لأن سوق العمل يتغير بصورة أسرع من قدرة النظم التعليمية التقليدية على مواكبته، ويقول: إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مرتبطا فقط بالعاملين في شركات التكنولوجيا، بل أصبح حاضرا في الطب والزراعة والصناعة والهندسة والإعلام والتسويق والفنون، ولذلك يحتاج طلاب اليوم إلى الاستعداد العالم ستكون فيه التكنولوجيا جزءا من معظم المهن.



ساحة النقاش