
ابتسام أشرف
تاريخ طويل من الإهمال والتهميش كتب نهايته. الإهمال والتهميش كتب نهايته فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه مقاليد الحكم، حيث أدرك أن العشوائيات بمثابة قنبلة موقوتة تعوق مسيرة الإصلاح والتنمية ليوجه أجهزة الدولة لتنفيذ البنية الجديدة وبناء مشروعات متكاملة للتطوير وليعلن نجاحه في التحديات العديدة التي شهدها هذا الملف في عدة سنوات قليلة، فكيف كان يعيش أهالينا في العشوائيات وكيف أصبحوا يعيشون حاليا في أماكن توفر لهم حياة كريمة على كافة الأصعدة كبديل عنها، وماذا عن تأثير هذا التطور على واقع الأسرة المصرية، وكيف يتم حاليا تأهيل أبناؤنا في هذه المناطق الحضارية الجديدة للمستقبل؟ وما هي طموحات الخبراء والمتخصصون في هذا الملف إكمالا لجهود التنمية الحضرية من قلب حي روضة السيدة، تستعيد منى حسين، إحدى السيدات اللاتي انتقلن من منطقة «تل العقارب» تفاصيل السنوات الماضية، مؤكدة أن الفارق لم يكن في شكل المنزل فقط، وإنما في الإحساس بالحياة نفسها.
تقول منى زمان كنا بنقفل باب الشقة ونفضل من الخوف دلوقتي بقي ويه امان سوكاميرات ومكان نظيفة والحياة
بقت أهدى بكتير، وتضيف: إحنا ما كناش مصدقين إن هييجي يوم ونعيش بالشكل ده دلوقتي عندنا بيت أمن ونظيف، ويقينا نحس
إننا عايشين حياة طبيعية زي أي أسرة. أما أميرة إبراهيم، إحدى سكان «الأسمرات» بعد انتقالها من منطقة بطن البقرة» فتصف تجربتها باعتبارها انتقالا من ظروف معيشية صعبة إلى مساحة أكثر اتساعا واستقرارا. وتقول: كنا عايشين في غرف ضيقة، ولما نقلنا للشقة الجديدة حسينا إن الدنيا اتفتحت قدامنا بقى عندنا بيت كامل وكل الخدمات حوالينا.
وتتابع أميرة الموضوع ما كانش مجرد شقة دى حياة جديدة فيها نظام ونظافة وأمان، والأولاد بقوا عندهم مدارس وخدمات قريبة، وحسينا إن لينا حقوق وإن حياتنا ليها قيمة.
وبالنسبة إلى هالة عبد العزيز، 35 عاما، التي انتقلت من «إسطبل عنتر» إلى الأسمرات، فإن التطوير فتح أمامها أبوابا لم تكن متاحة من قبل، وتحكي بعد النقل دخلت تدريب مهني. وبعدها اشتغلت في مصنع قريب من البيت مدرسة كويسة. وبقيت أقدر أساعد أسرتي، والأولاد بيروحوا
وتؤكد أن التغيير الحقيقي بالنسبة لها لم يكن في عنوان السكن فقط، قائلة: زمان كنا محرومين من حاجات كتير، لكن دلوقتي بقى عندنا فرصة نشتغل ونتعلم ونبني مستقبل أفضل، وده بالنسبة لنا أهم من مجرد تغيير مكان السكن. علاقة ثلاثية
تقول د.عزة فتحي أستاذ علم الاجتماع السياسي: أحدث تطوير المناطق العشوائية تحولا يتجاوز حدود تحسين المسكن، ليصل إلى إعادة تشكيل علاقة المواطن بذاته ومجتمعه والدولة، فحين ينتقل المواطن إلى مسكن آمن تتوافر فيه المياه والصرف الصحي والكهرباء والخدمات الأساسية، يشعر بأن الدولة تنظر إليه باعتباره مواطنا كامل الحقوق، وهو ما يعزز إحساسه بالكرامة والثقة بالنفس، وينعكس تدريجيا على مشاعر الولاء والانتماء وبالأخص لدى الشباب والنشئ.
وتري دفتحي أن البيئة السكنية تلعب دوراً مباشرا في تشكيل السلوك والعلاقات في الاجتماعية، إذ يساعد توفير الخصوصية والأمان والمسكن الملائم الأسرة على بناء علاقات أكثر استقرارا، ويرفع مستوى الرضا عن الحياة، كما أن تحسين الظروف المعيشية يقلل من الضغوط والمخاطر الاجتماعية المرتبطة بالبيئات غير الآمنة والمكدسة ويمنح المواطنين فرصة أكبر للتفاعل الإيجابي مع محيطهم والمشاركة في الحياة الاجتماعية. ويمتد أثر التطوير، بحسب استاذ علم الاجتماع السياسي، إلى تعزيز المشاركة المجتمعية والوعي، فالمواطن الذي يلمس اهتمام الدولة بتحسين ظروف حياته يصبحأكثر إدراكاً لعلاقته بالمجتمع السكن الآمن... بداية لصحة نفسية أفضل زاوية أخرى، ترى دبسمة سليم. أخصائي علم النفس الإكلينيكي وتعديل السلوك، أن انتقال بعض الأسير من المناطق العشوائية إلى بيئات سكنية آمنة ومستقرة ينعكس بصورة إيجابية على الصحة النفسية. لأنه يقلل الضغوط اليومية المرتبطة بعدم استقرار السكن وغياب الخصوصية ونقص الخدمات.
وتوضح أن شعور الإنسان بالأمان السكني يمنحه مساحة أكبر أكبر للتركيز على العمل والدراسة والعلاقات الأسرية، ويساعد على خفض مستويات القلق والتوتر وتحسين جودة النوم والرضا عن الحياة، ولا يقتصر الاستقرار وفق رؤيتها، على توفير مسكن أفضل، وإنما يمتد إلى تعزيز الثقة بالنفس وتقدير الذات والشعور بالكرامة والاستقلالية.
وتقول: وجود الخدمات ومراكز الشباب والنوادي يتيح للسكان تكوين علاقات اجتماعية جديدة، ويعزز شعور الفرد بالانتماء إلى المكان. ويأتي الأطفال والمراهقون في مقدمة الفئات الأكثر تأثرا بالبيئة المحيطة، باعتبارها جزءا أساسيا من تكوين شخصياتهم وخبراتهم المبكرة، فالعيش في بيئة مستقرة وامنة يوفر لهم روتينا أكثر اتزاناً، ويساعد على النمو الانفعالي والاجتماعي السليم، وتعلم المشاركة والاحترام والالتزام بالقواعد، إلى جانب تحسين فرص التعلم والطموح والنظر إلى المستقبل. أنشطة ثقافية
من جانبها تؤكد د. حنان موسى، رئيسة الإدارة المركزية للدراسات والبحوث بالهيئة العامة لقصور الثقافة أن تطوير المناطق العشوائية لا يقتصر على تحسين السكن وإنما يمتد إلى بناء الإنسان وتعزيز اندماجه في المجتمع، موضحة أن الهيئة تنفذ أنشطة ثقافية وفنية وتوعوية متعددة في العديد من المناطق بديلة العشوائيات، وأشارت إلى . أن البرامج تتناول قضايا الأسرة رة . والمواطنة والانتماء والحوار والمسؤولية المجتمعية. إلى جانب الاهتمام بالمرأة من خلال التوعية الصحية والتدريب على الحرف وريادة الأعمال. بما يدعم تمكينها اقتصاديا واجتماعيا.
وأوضحت د. موسى أن هذه الأنشطة تعمل على تحقيق العدالة الثقافية من خلال إتاحة الأنشطة الفنية والثقافية، عبر ورش الفنون والمسرح والعرائس والحكي والعروض والعروض الفنية. إلى جانب رحلات «اتوبيس الفن الجميل» للمتاحف والمواقع الأثرية، كما تشمل البرامج ندوات حول قضايا الأسرة والمجتمع وورشا للحرف التراثية وإعادة التدوير، بما يساعد الأطفال والنساء على اكتساب مهارات إبداعية وعملية، ويفتح أمامهم فرصا جديدة للتعلم والإنتاج وأشارت إلى أن هذه الأنشطة الثقافية والفنية يمكن أن تسهم في تغيير السلوك من خلال تحويل القيم الإيجابية إلى ممارسات عملية، فالعمل الجماعي في المسرح والورش الفنية يعزز التعاون وتحمل المسئولية، بينما يساعد الحكي على تقبل الآخر والحوار، فيما تشجع أنشطة إعادة التدوير على الحفاظ على البيئة، وتمنح التدريبات الحرفية المشاركين شعورا بالإنجاز والقدرة على الإنتاج، مؤكدة أن استمرارية هذه الأنشطة تمثل عنصرا أساسيا الضمان أثرها.
مجتمعات متكاملة
تؤكد نيفين بسيوني، عضو المجلس القومي للمرأة فرع القاهرة، أن ملف تطوير المناطق العشوائية شهد تحولا مهما، فلم بعد يقتصر على توفير مسكن بديل، وإنما أصبح يستهدف بناء مجتمعات متكاملة توفر للمواطن الأمان والكرامة والاستقرار، من خلال تحسين البنية الأساسية وإتاحة الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق والمساحات العامة.
وترى بسيوني أن توفير السكن الآمن بسی والخدمات الأساسية يخفف المخاطر والضغوط اليومية المرتبطة بالسكن غير الملائم، ويهيئ بيئة أفضل للأطفال تساعدهم على التعلم والنمو.
الثقافة والفن
وتقول د. رانيا يحيى، رئيس الأكاديمية المصرية للفنون بروما سابقا: لاشك أن تطوير المناطق العشوائية يمثل خطوة مهمة نحو بناء إنسان أكثر ارتباطا بمجتمعه.
وتقول: وهذا التطوير لم يتوقف عند تحسين المباني والطرق والمرافق، وإنما امتد إلى تحسي تحسين جودة الحياة وتعزيز شعور المواطن بالأمان والكرامة والاستقرار، من خلال توفير بيئة أفضل للتعليم والعمل والخدمات ويمثل الفن والثقافة أحد المكونات الأساسية في عملية بناء الإنسان داخل المناطق بديلة العشوائيات، لما لهما من قدرة على تعزيز الوعي والهوية والانتماء، وهو ما يتم حاليا في هذه المناطق.
وتتابع: تبرز أهمية الأنشطة الفنية والثقافية مثل المسرح والموسيقي والرسم والتصوير والمعارض والجداريات في خلق مساحات إيجابية تجمع الأطفال والشباب والأسر وتشجع على التواصل والتعاون، وتعد وسيلة فعالة لتغيير بعض السلوكيات لدى الأطفال والشباب، من خلال توجيه طاقتهم إلى أنشطة إبداعية تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وتنمية الثقة بالنفس والانضباط وتحمل المسئولية.
وتؤكد أن الدولة تقوم بكل هذه الجهود في إطار اهتمامها ببناء الإنسان على كافة الأصعدة.



ساحة النقاش