الخروج من الصندوق الضيق
بقلم :أمل مبروك
غالبا ما تتركز التغيرات الكبرى فى النظم والمجتمعات فى أحد سبيلين : إما "الثورة" وهى علاج جراحى باتر ولكنه قد لا يكون مضمون النتائج، وإما "الإصلاح" وهو علاج هادئ ويحتاج إلى مدى أطول ولكنه مأمون العواقب، ولهذا كانت ثورة 25 يناير ضرورية لتغيير حكم انتهى عمره الافتراضى.. ولكن مسيرة الإصلاح كان يجب أن تبدأ بعد ذلك مباشرة، وهو مالم يحدث بسبب المشهد السياسي الذى كان ومازال يبدو عبثيا في الغالبية العظمى من الأحيان، فالتراشق بالكلمات لا بالأفكار، والصراع بين أشخاص لا بين سياسات، ولن يكون واهما من يرى أن التقاء القوى السياسية من كل الأطياف على خلفية الوطنية المصرية يمكن أن يحل جزءا كبيرا من المعضلة وأن يدفع بالمشهد السياسى إلى العمل الجاد بدلا من القول الفارغ، وأن يدعو كل فصيل لكى يقدم أفضل ما لديه خدمة لوطن كبير وشعب عرف المعاناة وذاق المرارة عبر العصور، إننى أقول ذلك وعينى على شعبية ثورة 1919وحزم ثورة 1952، وبطبيعة الحال فإننى لا أفترض في أى منهما الكمال، ولكن وحدة الشعب المصرى وتجانسه كانت أمرا لا يختلف عليه أحد.
التصورات العاجزة
لم يكن المؤرخ الجغرافى الراحل جمال حمدان ساخرا عندما تحدث عن عبقرية الزمان والمكان، بل والسكان أيضا فى مصر، وتلك العبقرية تفرض علينا أن ندرك أننا فى صراع مع حركة العصر ودورة التقدم، وأنه لابد لنا أن نعى دوما أن الحياة كالسباحة ضد التيار، التوقف فيه يعنى العودة إلي الوراء، ويعنى بالتالى أننا بحاجة إلى رؤى جديدة وأفكار غير تقليدية للخروج من المأزق المقيت الذى حشرنا أنفسنا فيه فأصبحنا أسرى أفكار النظام السابق الذى ثُرنا عليه ورغم ذلك مازلنا نحتفظ بنفس تصرفاته الروتينية وتصوراته العاجزة التى تعكس فقر الخيال وعدم القدرة على تحديد ملامح الدولة الحديثة التى يجب أن نتجه نحوها.. فأصبحنا كالفيل الضخم الحبيس فى حجرة ضيقة .. نعم نحن الآن محشورون في صندوق مغلق، وقد يقول قائل : إن التفكير النمطى هو ميراث مصرى لبلد عريق يتمسك بالتقاليد ويصنع الأعراف ويعشق الماضى، وهنا يكون الرد الطبيعى : إن الدنيا التى تغيرت تماما والعالم الذى يتطور بسرعة مذهلة، كما أن مصر ذاتها التى دخلت منذ ثورة يناير غرفة العمليات الجراحية وتحتاج إلى علاج أمراضها وبتر فسادها وإنعاش دورها .. لن يتحقق لها ذلك بالتأكيد فى ظل الصراع المحتدم على السلطة فقط دون محاولة إيجاد سبل جادة للتغيير إلى الأفضل.
تهميش الشباب والمرأة
عندما نكون محشورين داخل الصندوق فإننا لاندرك عاملا خطيرا يجب وضعه في الحسبان وأعنى به صراع الأجيال وهو أمر يجب الالتفات إليه، وأنا على يقين من أن جزءا كبيرا من محنة مصر الراهنة وأزمتها الحالية يكمن فى غيبة الدور السياسى للشباب، ويمكن أن نتأمل رموز الحكم القائم وجبهة الإنقاذ المعارضة لندرك أن معدلات العمر تسقط من حساباتها بشكل واضح عنصر الشباب الذى كان وقود الثورة وركيزة الميدان فى الثمانية عشر يوما الأولى لاندلاع انتفاضة ميدان التحرير وهنا أحذر من مواصلة تهميش الشباب وأيضا تهميش المرأة، فمبدأ المواطنة يعنى المساواة بين الشركاء المختلفين فى الأعمار والأديان والنوع والثروة وغيرها من أسباب التباين بين البشر.. في بلد يبدو أشد ما يكون حاجة إلى عقول كل أبنائه وقدرات جميع مواطنيه.
هذه أفكار خاطفة أسربها من خارج الصندوق إلى داخله أسعى بها للوصول إلى الرشد فيما نقرر، والحكمة فيما نعمل، والوطنية فيما نحكم
ساحة النقاش