هناك حيث يسود الصمت، ويهدأ أنين الحياة، ينطلقوا ما بين شواهد القبور تدفعهم الرغبة في الحياة تارة، والأمل في المستقبل تارة أخرى، نحو الحلم بواقع أفضل، فرغم أن حياتهم جميعا وكما يقولون غير آمنة أو مستقرة، الأ أن لأطفال المقابر واقع خاص وحياة مختلفة فرضتها طبيعة الظروف التي فرضت عليهم، فالبعض منهم مازال ينحت في الصخر بين ذويه لمجرد إكمال تعليمه رغم عدم إقتناعهم بأهمية هذا، والبعض الأخر يرى في العمل وسيلة أفضل للحياة يدفعه في هذا رغبته وعائلته في مجرد الإستمرار فيها!
 أما الأسوء حظا فهو من دفعه الفقر إلى التسرب رغم أنفه من التعليم تسبقه دموعا تحلم بالعودة لأحضان المدرسة!
"حواء" كانت معهم ترصد أحلامهم ومعاناتهم، طموحاتهم وعثراتهم..محاولة أن ترسم على شفاههم بسمة في عيد الطفولة...

في البداية قابلته على دراجته الصغيرة يمرح حاملا، أدواته المدرسية لأداء بعض الفروض الدراسية على إحدى شواهد القبور، وحين سألته عن حكايته قال: أنا شادي هاني سامح في سنة أولى إبتدائي في مدرسة حلوة قوي في الجمالية، بس أنا عايش مع أهلي وأختي هنا في المقابر، وأحنا متعودين يوم الأجازة نلعب بالدراجات ونسابق بعض، وبعدين نقعد قبل الضلمة نعمل الواجب هنا، أنا نفسي أكون ضابط زي الرئيس بالضبط، وأختى في سنة ثانية إبتدائي وهي كمان بتروح المدرسة وبتنزل تلعب معنا هنا علشان أحنا مش بنخاف من الموتى ولا غيرهم ، أما أختى فنفسها تكون دكتورة.
 وأنطلق بالدرجة يكمل اللعب كما يراه في وسط القبور!
 
معندهمش فلوس!
أما مريم"8 سنوات"، فكان يسبقها بكائها فقد تركت المدرسة منذ شهر واحد لأن أهلها وفقا لقولها" معندهمش فلوس"!
وأسال والدتها نادية سامح أحمد، ربة منزل عن القصة فتقول: عندي طفلين مريم في سنة ثانية في المدرسة، وأمير عنده "3 سنين"، وزوجي عامل أرزقي يعمل باليومية، ونفسي بنتي تتعلم وما تطلعش زينا علشان تنفع نفسها وما تبقاش زي وزي أبوهم، بس المدرسة مصاريفها كثير علينا، انا دفعت لها 70 جنية أول السنة مثلا، بس كل شوية فيه طلبات أما لتجميل المدرسة أولشراء كتب ومذكرات إضافية بيطلبها المدرسين، وأحنا على باب الله هأجيب منين، نفسي أقدر أعلمها وترجع المدرسة ودي هتكون أجمل هدية لها ولي في عيد الطفولة!

هأموت وأروح المدرسة!
"أنا كبرت صحيح بس نفسي أروح المدرسة وأتعلم"!
هكذا صرخت باكية رانيا سامي "10 سنوات" قائلة: انا شفت في التليفزيون ناس كبار زي وبيتعلموا في البيت شوية، وبعدين يرجعوهم المدرسة، نفسي أكون زيهم فوالدتي سيدة عادية لا تعمل، ووالدي كفيف وحاول أكثر من مرة أن حد يساعدنا وأدخل المدرسة بس ما فيش حد وقف جنبا، اخواتي كلهم كبروا وأتجوزوا وهم مش متعلمين علشان كده محدش منهم أشتغل حاجة كويسة، ينفع تعلموني أنا هأموت واروح المدرسة!
من المدرسة لتنظيف المقابر
وصمتت رانيا، وهي تنظر بحزن وآسى لمحمود أكرم حسنين طالب في الصف الرابع الإبتدائي، ورغم أنه كان يعمل الأ أنها كانت ترى في ذهابه للمدرسة، طوق نجاة من حياتهم دون تعليم!
وعن قصته يقول محمود: انا باروح المدرسة، وفي سنة رابعة إبتدائي، وبأذاكر وشاطر ونفسي أطلع مهندس، وأختى كمان في سنة ثالثة، بس بعد المدرسة وفي يوم الأجازة بأنظف المقبرة لجدي علشان أساعده، وبعدين بأرجع أذاكر وأعمل الواجب لأن الشغل مش بيأخذ وقت، وجدي رجل كبير، وكمان أنا الشغل في المقابر مش عيب.
ماما سابت البيت!
ومن المهندس محمود، للطفلة إسراء رمضان، الوضع أكثر صعوبة، والمأسأة أشد وطأة، وكما تقول: أحنا 4 أخوات، لغاية السنة اللي فاتت كنا كلنا في المدرسة، وكنا شاطرين وكل واحد نفسه يطلع حاجة، بس ماما سابت البيت أخر السنة اللي فاتت، وبابا مش بيشتغل وطلعنا من المدرسة، وأنا نفسي أرجع لأني طول الوقت في الشارع لا بأشتغل ولا بأتعلم وكمان أخواتي حلمنا كلنا أننا نكبر ونصرف على أنفسنا وبابا، ولا نحتاج لحد يعطف علينا أو يعطينا ملابس أو أكل، لو تعلمنا هنعمل كل ده لوحدنا!
مشكلة أولادي
وخلال جولتي بمنطقة المقابر ألتقيتها، هبة عبد الكريم أم ل 3 أولاد لكل منهم مأسأة وجميعهم فاتهم قطار التعلم وتحلم بلحقائهم به، حتى تجد من يساعدها على تحمل تكاليف المعيشة، تقول: أبنتي الكبيرة عندها الأن 16 سنة ودي خرجت من المدرسة من سنة رابعة إبتدائي،لأن والدهم كان قد توفى عنا ولم يكن معي أموال لتعليمها، بعدها أصر أبني الكبير ويبلغ من العمر 10 سنوات أن يترك المدرسة ويساعدني بأي عمل باليومية، ورغم حزني عليه أصبح لدي أمل أن أنجح في إلحاق أبني الصغير ولديه الأن ما يقرب من 5 سنوات بالمدرسة حتى أرحمه من مصيرنا جميعا، فنحن لا عمل لدينا ونعيش على مساعدات الأخرين لنا، والامل الوحيد أمامنا أن أجد أي عمل أو مشروع بسيط أعيش منه، ويدخل أبني الصغير المدرسة حتى أعوض من خلاله ما إفتقده كل أبنائي.
إعفاء من المصروفات
وداخل غرفة واحدة، في قلب منطقة المقابر وأيضا ما يصنف بالعشوائيات، يعيش ثلاثة أبطال، استطاعوا رغم صغر سنهم التغلب على كل ظروفهم الصعبة والتفوق في التعليم، رغم أن والدهم عامل باليومية، ووالدتهم ربة منزل عادية، أما مصروفاتهم الدراسية فتدفع أما بالتقسيط، أو بالإعفاء من نصف المصاريف!
فعبد الرحمن حمدي خميس في الصف السادس الإبتدائي، ويحلم أن يصبح مهندس، وشقيقته منة الله "بالصف الأول الإعدادي" وتتمنى ان تصبح طبيبة، اما شقيقته الكبرى شيماء فحلمها أن تصبح مضيفة طيران، وحياة هؤلاء الأطفال لا تتعدى الذهاب للمدرسة والبقاء داخل جدران الغرفة الوحيدة لأداء فروضهم الدراسية، مع حلم من الأب والأم بالإعفاء من مصروفاتهم حتى يستطيعوا الوصول بهم لبر الأمان!
وأخيرا وليس أخر تتكرر المآساة بمنزل الحاجة أمل أحمد، وهي منفصلة عن زوجها، ومع هذا حرصت على إلحاق أبنائها الأربعة جميعا بكافة المراحل التعليمية، ورغم هذا فالخطر يحيط بهم من آن لأخر مع بداية كل عام دراسي، حيث تزداد إحتمالية تركهم للتعليم لعدم سدادهم المصروفات الدراسية، وعن هذا تقول: أولادنا لا بيخرجوا ولا عايشين حياتهم زي أي أطفال، وهمنا كله أن نصل بهم لبر الامان ونعلمهم علشان ينفعوا أنفسهم، وعند بداية كل عام تكون المشكلة أمامي كيف أسدد مصروفاتهم، والحل مرة يكون بالتقسيط، ومرة يكون بمساعدة المدرسة لي بحصولها على المصروفات شيء فشيء كلما توافر معي اموال، لكنى هأستمر ولن أجعلهم أبدا يتركوا المدرسة.
التعليم والمشروعات الصغيرة

وعن حياة هؤلاء الأطفال وما يحتاجونه من دعم لمساعدتهم في الوصول لبر الأمان، تقول د. إيمان عبد الوهاب أستاذ علم الإجتماع بجامعة القاهرة: لا شك أن هؤلاء الأطفال يعدون بالفعل قنبلة موقوتة صالحة للإنفجار في أي وقت إذا لم يتم نزع فتيلها في الوقت المناسب، فسوء أوضاع ذويهم الإقتصادية والإجتماعية، وتعاملهم مع إلحاقهم بالعملية التعليمية على أنه أمر غير هام، خاص وأن معظمهم غير متعلمين، يجعل من السهل إستغلالهم في أي من الأمور غير المشروعة، كالإرهاب وغيره، ويجعلهم أقل قدرة على معرفة الخطأ من الصواب، لذا قد تنشأ بينهم بعض من الإنحرافات الأخلاقية، وعلاج هذا كله يكون بإهتمام الهيئات الحكومية والأهلية معا بتوفير بعض من المشروعات الصغيرة لذويهم بما يساعدهم على إكمال مسيرة الحياة، بل ويدفعهم للإهتمام بتعليم أطفالهم، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لابد من إحاطة هؤلاء الأطفال بمظلة تعليمية تتيح لهم بعد دراسة أوضاعهم المجتمعية، الحق في التعليم بشكل مجاني كامل وبإعفاء من كافة المصروفات.
ومن خلال خبرتها الواقعية في هذه المناطق، تقول أحلام رمضان، رئيس لجنة المرأة بالقاهرة بالحملة الأهلية "مين بيحب مصر"،: مشكلات عدة تعيشها الأسر بالمناطق العشوائية والمقابر، بل وتحتاج لدعم فعلي من قبل الجهات الحكومية والاهلية، وهذا الدعم لابد وأن ينصب على توفير مشروعات صغيرة للنساء والرجال والشباب على حد سواء في هذه المناطق، مع شملهم بمظلة تأمين صحي شامل، وأيضا إعفاء ولو بجزء معقول من المصروفات الدراسية للاطفالهم، أو تقسيط لها، فأهالي هؤلاء الأطفال لا عمل لهم ويعدون أطفالهم مصدر للرزق لذا يساهمون في تسربهم من التعليم، لكن لو وجدوا أن الامر يتم بشكل مجاني شبه كامل، لشجعهم هذا على إكمال مسيرة ابنائهم التعليمية، بما سيغير بالطبع من حياتهم فيما بعد.

المصدر: سمر الدسوقى
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 208 مشاهدة
نشرت فى 15 ديسمبر 2014 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,777,913

رئيس مجلس الإدارة:

أ/ غالى محمد

رئيسة التحرير:

أ/ ماجدة محمود