لاشك أن نوع الكاتب له تأثير كبير قوى على اتجاهاته الفكرية فى الدراما بشكل عام وفى الأفلام السينمائية بشكل خاص, فللأسف الشديد لم يستطع بعض الكتاب، ومنهم ذوو أسماء رنانة، التخلص من عقدهم الذكورية وهم يؤلفون للسينما والتليفزيون، حتى عندما يقتبسون الموضوعات الدرامية من الأدب العالمى أو من السينما الأجنبية نجدهم يحرفون الأحداث ويلوون الحقائق لكى تحقق هدفهم: السخرية من المرأة وتقليل شأنها والحض على ازدرائها..الخ، والأمثلة على ذلك من الأفلام والمسلسلات والتمثيليات القديمة لا حصر لها .

اقتبست اسم مسلسل "شجرة اسمها الود" من العبارة القرآنية "وجعل بينكم مودة ورحمة", فبالنسبة لى لم تكن تلك العبارة تقريرية بقدر ما كانت أمرا إلهيا إلى البشر بألا تُبنى العلاقة الزوجية إلا على هذين العمودين الأساسيين: المودة والرحمة.. فإما كلاهما معا أو إحداهما؛ بمعنى أن المودة (الحب) إذا غابت فلتكن هناك رحمة, إن مبروكة - الشخصية الرئيسية فى المسلسل - ضحية لفكر اجتماعى عام  حصر المرأة فى نطاق الجسد وسجنها داخل دائرة الشكل الخارجى: الجمال.. الجاذبية الجنسية.. الرشاقة.. الأناقة.. الخ, وكم تغزل الشعراء العرب، القدامى، والمحدثون فى عيون حبيباتهم وشعورهن وشفاههن.. الخ.
ومبروكة، بطلة المسلسل، تملك كل تلك العناصر، فهى أجمل بنات الحى، وكل شبانه يتوقون لنظرة منها، ومع ذلك لم يحقق لها جمالها الأمان النفسى أو الاجتماعى، والسبب أن جسدها الجميل حُرم من الإنجاب! وقد حاولت فى المسلسل  إشراك المستمعين مع مبروكة فى رحلة بحثها عن الخلاص كى تتحرر من ذلك السجن المعنوى الذى فُرض عليها قسرا. إن المرأة يمكن أن تهتم بمظهرها الخارجى ولكن يجب ألا يكون ذلك على حساب اهتمامها بعقلها.
لذلك جعلت الشخصية الثانية الدكتورة إصلاح، شقيقة مبروكة، التى تمثل النموذج المثالي القادر على منح المرأة ما تصبو إليه من سعادة مبنية على تحقيق الذات واحترام المجتمع لكيانها كإنسانة وهى فى الوقت نفسه لا تغفل طبيعتها كأنثى  .
الخطوة الأولى نحو الشراكة الكاملة بين عنصرى المجتمع اللذين لا ينفصلان هى استعادة "الكل الاجتماعى" لاحترامه لذاته.. أى لنصفه الآخر, فلا يمكن أن ينجح أى كيان وهو يهمل جزءا عضويا أساسيا فى نفسه, إن هذا قصور يصل إلى حد المرض أو الداء, لذا لا بد من علاجه ولو بعملية جراحية, وإيمانى الذى لا يتزعزع أن الأعمال الدرامية الجيدة يمكن أن تقنع الرجل بأن المرأة شريك أساسى فى الحياة، وليست تابعة أو مستعبدة, وأرى أن توجيه الرجل الأمى ومتوسط التعليم، وربما بعض المثقفين، إلى هذه الحقيقة أهم من توجيه المرأة نفسها، وإن كانت فى قطاعات كبيرة من المجتمع فى أشد الاحتياج لاستعادة الثقة فى نفسها والإيمان بكفاءاتها وإيقاظ الوعى بحقوقها وبالدور الحيوى المهم المنوط بها  .
فإذا كان التليفزيون المصرى يرغب فى استعادة ريادته، وفى التعاون مع الدولة التى تنبهت أخيرا إلى علاج العوار الذى كان يعطل المجتمع المصرى، لابد من تنقية الأعمال الدرامية من ذلك "اللت والعجن" والموضوعات الهزيلة التى لا تسمن ولا تروى العطش للفن الجميل .

المصدر: إقبال بركة
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 18 إبريل 2018 بواسطة hawaamagazine

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,466,690

رئيس مجلس الإدارة:

مجدى سبلة

رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز