
أسماء صقر
تمثل الأسرة الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع وبناء أجيال تتمتع بالصحة النفسية والتوازن، غير أن الخلافات الزوجية المتكررة قد تهدد هذا الاستقرار إذا غابت الحكمة وحسن إدارة المواقف الصعبة. وفي هذا الحوار يؤكد د. علاء رجب، استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية أن المودة والرحمة والتسامح والحوار الهادئ أهم مفاتيح تجنب الخلافات الأسرية، والحد من الطلاق، وحماية الأبناء من آثاره السلبية، بما يساعد الأسرة على تجاوز الأزمات والعبور بها إلى بر الأمان.
في البداية كيف ترى الخلافات الأسرية داخل المجتمع؟
الخلافات الأسرية أمر طبيعي في كل بيت لأنها انعكاس لاختلاف الطباع والتربية والظروف، لكن الخطورة ليست في الخلاف نفسه، بل في طريقة التعامل معه ثم التعامل الخلاف بالحوار والهدوء يتحول إلى وسيلة لفهم الطرف الآخر، أما إذا ترك دون حلول يتطور إلى مشكلات قد تهدد استقرار الأسر
برأيك ما الأسباب الأكثر شيوعاً لهذه الخلافات؟ هناك أسباب اقتصادية مثل . مثل ضغوط المعيشة نتيجة للأوضاع الاقتصادية العالمية، وأسباب اجتماعية مثل تدخل الأهل والأقارب، وأسباب نفسية مرتبطة بعدم القدرة على التعبير عن المشاعر أو غياب لغة بينهم. الحوار، كذلك غياب التكافؤ قبل الزواج يلعب دورا كبيرا
بجانب الغيرة والشك من أحد الأطراف. وكيف نحافظ على الاستقرار الأسري ونتجنب المشكلات؟
استقرار الأسرة لا يعنى غياب الخلافات تماما، فكل أسرة تمر بمواقف واختلافات متعددة لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل معها، فالحوار الإيجابي أثناء مناقشة المشكلات بعد من أهم الوسائل تفاقم الأزمات وتحد من آثارها السلبية. التي تمنع تفاقم والأسرة المستقرة هي التي يسودها الاحترام قبل الحب والحوار قبل الغضب، والتفاهم قبل إصدار الأحكام، فكل فرد يحتاج إلى أن يشعر بأن الطرف الآخر يستمع إليه ويفهم مشاعره ولا يكتفي بالرد عليه فقط. كما أن تقدير الجهود الصغيرة والكلمة الطيبة والاعتذار عند الخطأ أمور تبدو بسيطة لكنها تترك أثرا عميقا في قوة العلاقات الأسرية، كما أن معالجة المشكلات بهدوء وفي وقتها . وقتها المناسب تمنع تراكم المشاعر السلبية التي د تتحول لاحقا إلى أزمات يصعب احتواؤها، هذا بجانب تخصيص وقت يجمع أفراد الأسرة بعيدا عن ضغوط الحياة والانشغال بالهواتف ووسائل التواصل ما يعزز الروابط الأسرية ويقوي مشاعر القرب والتفاهم
وكيف نتجنب الوصول إلى الطلاق؟ الطلاق في كثير من الحالات لا يحدث بسبب مشكلة
واحدة كبيرة، وإنما يكون نتيجة تراكمات صغيرة تم تجاهلها لفترات طويلة، لذلك فإن الحفاظ على الأسرة يتطلب وعيا ومرونة وقدرة على إدارة الخلافات بصورة صحية، وهناك كثير من الأمور اليومية التي يمكن التغاضي عنها طالما أنها لا تمس الكرامة أو القيم الأساسية للعلاقة مثل اختلاف الطباع أو بعض العادات اليومية أو أساليب التعبير المختلفة عن المشاعر. فكثير من الأزواج يحولون هذه التفاصيل إلى معارك متكررة تستنزف العلاقة وتضعفها مع الوقت، فعلى سبيل المثال زوجة تشكو من أن زوجها لا يعبر عن حبه بالكلمات، بينما الزوج يرى أن توفير احتياجات الأسرة والعمل لساعات طويلة هو أكبر تعبير عن الحب، وهنا المشكلة الحقيقية تكمن في اختلاف أسلوب التعب لا في غياب المشاعر، وعندما يدرك كل طرف طريقة تفكير الآخر تتراجع مساحة الخلاف بشكل واضح، كما يجب التأكيد على أن التغاضي لا يعنى قبول الإهانة المستمرة فهذه أمور تحتاج إلى مواجهة جادة وحلول حقيقية وليست من الأمور التي يمكن تجاوزها، وأنصحهنا بضرورة مناقشة المشكلات فور ظهورها وعدم تركها تتراكم مع الفصل بين المشكلة وقيمة الشخص نفسه، وتقديم التقدير والشكر بصورة مستمرة، وعدم إشراك أطراف كثيرة في الخلافات الزوجية، إلى جانب تعلم فن الاعتذار والتسامح وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة، فالانتصار الحقيقي داخل الأسرة لا يكون بكسب أحد الزوجين للخلاف وإنما بقدرة الأسرة على الحفاظ على استقرارها واستمرارها.
في حالة حدوثه على الأسرة؟ وماذا عن تأثيرات الطلاق النفسية والاجتماعية
لا يقتصر أثر الطلاق على الزوجين فقط بل يمتد إلى جميع أفراد الأسرة ويترك آثارا نفسية واجتماعية متعددة، فالأسرة بعد الانفصال تفقد جزءا من توازنها. ويصبح التعامل مع المسئوليات اليومية أكثر صعوبة وتعقيدا، والمرأة غالبا ما تتحمل أعباء إضافية بعد الطلاق، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي، إذ تجد نفسها مطالبة بالقيام بأدوار متعددة في الوقت نفسه، مع مواجهة مشاعر القلق أو الوحدة أو التفكير المستمر في المستقبل، أما الأبناء فهم الأكثر تأثرا لأنهم ينظرون إلى الطلاق باعتباره تغيرا جذريا في عالمهم الصغير، وقد يشعرون بالخوف أو الحيرة أو فقدان الأمان، ويتساءل بعضهم عما إذا كانوا سببا فيما حدث بين والديهم، وبعض الأطفال يعبرون عن معاناتهم من خلال التراجع الدراسي أو الانطواء أو السلوك العدواني أو صعوبة بناء الثقة في العلاقات مستقبلا، ولذلك يحتاجون إلى قدر كبير من كبير من الدعم والاحتواء، لذا فإن الحفاظ على استقرار الأسرة ليس رفاهية اجتماعية بل يمثل خط الدفاع الأول عن الصحة النفسية للأبناء وعن تماسك المجتمع كله، فحين ينجح الز الزوجان في إدارة خلافاتهما بالحكمة والاحترام فإنهما لا يحافظان فقط على علاقتهما الزوجية بل يقدمان لأبنائهما بيئة آمنة
تساعدهم على النمو. على النمو السليم.. وما الرسالة التي توجهها للأسر لتجنب الخلافات والعبور إلى بر الأمان؟
كل أسرة تمر بلحظات صعبة واختلافات متعددة. لكن المهم هو عدم السماح لهذه الخلافات بأن تتحول إلى جدار يفصل بين أفرادها، فالحوار الصادق والاحترام المتبادل والتسامح وتقدير الطرف الآخر مفاتيححقيقية لحماية الأسرة من التفكك، والأبناء يحتاجون إلى بيت يشعرون داخله بالأمان والاستقرار، فالأسرة التي تجعل التفاهم والتعاون منهجا لحياتها تكون أكثر قدرة على مواجهة الـ ة التحديات وتجاوز الأزمات.



ساحة النقاش