أطفالنا .. والثورة!!

أطفالنا بين فرحة الثورة وخوف أيام الفوضى !!

 

كتبت : نجلاء أبو زيد

عاش أطفالنا فى الفترة الأخيرة الكثير من المشاعر المتضاربة التى أثرت فى وجدانهم بشكل حقيقى . حيث عاشوا مشاعر فقدان الأمن والأمان والخوف الشديد من طلقات النار .. تلا ذلك مشاعر فخر وفرحة بما فعله الشباب من تغيير في الدولة المصرية. وما بين المشاعر الخائفة والفرحة يقف أطفالنا حائرين باحثين عن تفسير وأسلوب واضح يساعدهم على اجتياز ما مروا به .

وحول أحاسيسهم وكيفية تجاوزها كان هذا التحقيق.

البداية مع ندى صبحى 8 سنوات حيث قالت لقد شعرت فى الأيام السابقة بأن حياتى وأسرتى فى خطر وأننا محبوسين فى البيت وظللت ليله كاملة أبكى وأدعو الله أن يرجع والدى سليماً بعد خروجه مع الجيران للقيام بحراسة المنطقة وفى البداية لم أكن أفهم أى شىء وشعرت أن اسرائيل هى وراء كل ما يحدث لأنها سبب كل المصائب كما تقول أمى دائما لكن من خلال مشاهدتى المتواصلة للأخبار بدأت أفهم أن هناك مظاهرات وأن الشباب يموتون وأن مصر انتصرت وبدأنا نفرح ونغنى الأغانى الوطنية ونرفع علم مصر فى البلكونة وفى السيارة وشاهدت الدبابة وأخذت صورة عليها وفهمت من الأحداث أن الجيش وصل للمنطقة فعاد الهدوء لكنى بصراحة قلقانة وخائفة أن أذهب للمدرسة وأن أجلس فى البيت بمفردى.

يتفق معها شادى محمد 10 سنوات قائلا بصراحة سعدت جداً بالثورة وانتصار الشباب لكن للآن أحلم بأن هناك من يفتح باب الشقة ويحاول سرقتنا وعندما أحكى لأمى تخبرنى أن هذا الأمر لن يتكرر لأن الثورة نجحت لكننى مازلت خائفاً مضطرباً لا أعرف سبب محدد لكن ما عانيناه فى أيام المظاهرات ونزولى الشارع مع والدى وسماعنا لطلقات النار والاشاعات عن السرقة والنهب لاتزال فى ذاكرتى .

محمد يوسف 11 سنة يقول: رغم صعوبة أيام المظاهرات إلا أننى عشت خلالها أصعب وأجمل أيام حياتى فلأول مرة يعاملنى والدى كرجل ويطلب منى أن أنزل معه الشارع وأحمل عصاه لأحمى منزلنا والمنازل المحيطة بنا ولأيام عشت هذا الأحساس وكنت انتظر أن يظهر أى بلطجى لأقتله بنفسى فخلال هذه الأيام شعرت أننى أحب منطقتى والناس كلها .

نهى خالد 9 سنوات مازالت مرعوبة من الأيام الماضية وتتحدث عنها قائلة : أخبرتنى أمى أن الثورة نجحت وأنه تم القبض على كل البلطجية لكننى مازلت خائفة لأن الأخبار تقول أن هناك مساجين لم يتم القبض عليهم حتى الآن وسمعت عن شقق تمت سرقتها وأن الشرطة لم تنزل لكل الأماكن . مشكلتى أننى سمعت حكايات كثيرة وأستغاثات فى التليفزيون وأراها فى أحلامى كما أننى ألاحظ أن والدى يرفض خروجنا أو ذهابنا للملاهى لأن هذه الأماكن ليست أمنة . وأخاف بشدة من العودة للمدرسة لأنه ربما يقابلنا بلطجى فى الطريق أو يدخل المدرسة ويضرب نار علينا . بصراحة حاسة إن فيه حاجة أتغيرت فى حياتى فأمى تمنعنى من اللعب فى الشارع ومن النزول من الشقة للذهاب للسوبر ماركت ومن الرد على أى شخص يرن جرس الباب وبعد كل ده تقول إن الدنيا آمان !!

إذا كانت هذه بعض مشاعر الصغار فكيف يتعامل معها الكبار.

السيدة مروى حسين كيميائية تقول : لقد كنت أترك أولادى بمفردهم فى الشقة حتى عودتى من العمل وكنت على اتصال دائم بهم عبر الموبايل لكن بعد الأحداث التى عشناها أخذت أجازة لفترة وبقيت معهم لكن عندما انتهت الأجازة وأصبحت مضطرة للنزول للعمل فوجئت برفضهم البقاء بمفردهم وأنهم منهارون من فكرة أن يدق شخص غريب جرس الباب وقمت بتركيب باباً حديدياً على الشقة لكنهم لم يطمئنوا واضطررت لأحضار والدتى لتجلس معهم حتى يعودوا للمدارس .

تتفق معها سعاد عادل ربة بيت قائلة : لقد تسببت الأحداث الماضية فى هزة نفسية عنيفة عند كل الأطفال المدركين ورغم فرحتنا بنجاح الثورة إلا أننا نشعر وأولادنا أننا فقدنا الاحساس بالأمان فالآن لا أخرج بمفردى وأنتظر وجود زوجى لأذهب معه لشراء احتياجاتنا وأصبحنا ممنوعين من الذهاب للنادى ونكتفى بالزيارات العائلية على أن نعود منها قبل دخول الليل . فالليل لم يعد أماناً وطبعاً أحساس انتقل للأولاد وأتمنى أن تهتم الحكومة الجديدة بعودة الأمان حتى نشعر به .

وإذا كانت هذه هى المشكلة كما تحدث عنها أصحابها فإن للمتخصصين رأيهم .

وعن كيفية تجاوز أبنائنا هذه الفترة تحدثت مع د. نادية الحسينى أستاذ علم النفس التربوى فقالت :

- بداية علينا الاعتراف أن أطفالنا فى سن الادراك لديهم قدرة كبيرة على استيعاب الأحداث التى حدثت ويفهمون جيداً الظروف الصعبة التى مررنا بها جميعاً والمشكلة الأساسية هنا قد تكون فى الأهل عندما يحاولون تبسيط الأمور أكثر من الطبيعى هنا ودون أن يدركوا يزيدون من مخاوف الأبناء لأن الطفل يرى أن أهله طالما يكذبون عليه ويخبرونه أن كله تمام فأكيد هناك شىء كبير يحدث وأنهم خائفون وعلينا أن ندرك أن الأطفال أذكياء وأن من يدرك منهم رأى أحاسيس الخوف التى تملكتنا جميعاً وشعر بها والأفضل هنا أن نعتمد على الصراحة والوضوح فى شرح كل الأحداث والحمد لله أن الأحداث بدأت بالفوضى وإنعدام الأمن ثم انتهت بنجاح الثورة وهذا يساعد فى عملية الشرح لنوضح لهم أن الأيام الصعبة التى مررنا بها كان علينا تحملها حتى يحدث النصر وتتحقق الثورة . ومن الجيد أن نأخذهم لزيارات لميدان التحرير ليروا كيف أن هذا المكان الذى كانوا يشاهدونه فى التليفزيون أصبح حالياً مزاراً الأحداث الثورة وأن نجعلهم يتفهمون أن أى شىء جيد يحدث يحتاج لبعض التضحية . فالشهداء ضحوا بحياتهم من أجل حرية الوطن وبالتالى لا ضرر أن نضحى بالأجازة وبأننا لم نتفسح أو نخرج خلال الأيام الماضية فكلها أمور بسيطة من أجل أن نعيش مستقبلاً أفضل وأضافت أن حالة المصارحة ستساعد لكن بصفة عامة يجب أن يقوم الباحثون النفسيون والإجتماعيون بدراسة تأثير هذه الظروف على الأطفال الذين عاشوها وفى نفس الوقت يجب أن نستثمر حالة الانتماء الموجودة لدى كل فئات المجتمع فى أطفالنا حتى نعمل على تشكيل وعى ووجدان منتمى للبلد ولكل شىء فيها أن نربيهم على قيمة التعاون والايثار والكرامة وأن نشرح لهم تفاصيل ما حدث وأن يعتبروا ما حققه الشباب قدوة لهم يمكنهم أن يفعلوا مثله إذا ركزوا فى مذاكرتهم وأن ينظفوا شارعهم فالقيم الإيجابية التى أظهرتها الثورة يمكن غرسها ببساطة فى الأطفال وتكون هى أفضل إيجابيات الثورة .

 

 

 

 

 

المصدر: مجلة حواء- نجلاء ابو زيد

ساحة النقاش

hawaamagazine
مجلة حواء أعرق مجلة للمرأة والأسرة المصرية والعربية أسسها إيميل وشكرى زيدان عام 1955، وترأست تحريرها الكاتبة أمينة السعيد، ومن يوم تأسيسها تواكب المجلة قضايا وهموم المرأة والأسرة المصرية والعربية. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

19,747,366

رئيس مجلس الإدارة:

عمر أحمد سامى 


رئيسة التحرير:

سمر الدسوقي



الإشراف على الموقع : نهى عبدالعزيز